دور العلماء في إنقاذ الناس من فخّ داعش!

حارث

لا ينبغي النظر إلى تنظيم داعش على أنه مجرد جماعة عسكرية أو مسار سياسي فحسب، بل إن هذه الظاهرة كانت في جوهرها مشروعًا فكريًا ـ أيديولوجيًا، نشأ على أساس تحريف الدين، وسوء استغلال المشاعر الدينية، والاستفادة المنهجية من حالة الجهل لدى فئة من الشباب. فقد أعادت هذه الجماعة المنحرفة صياغة المفاهيم الأساسية والمقدسة مثل الجهاد، والخلافة، والشجاعة، والتضحية، من خلال بناء رواية دينية مزيفة، بحيث قُدِّم العنف والقتل والدمار تحت عنوان المشروعية الدينية.

وفي الحقيقة، جرّد داعش الدين من محتواه الأصيل، وحوّله إلى أداة للجريمة والهيمنة والخداع. وكان العامل الأساسي في نجاحه في الاستقطاب هو وجود فجوة معرفية لدى جزء من الجيل الشاب؛ فالشباب الذين لم يتلقوا تعليمًا دينيًا منظمًا وعميقًا، ولم تكن لديهم معرفة كافية بالمصادر المعتبرة والمقدسة في الإسلام، كانوا أكثر عرضة للتأثر بالدعاية التي تتستر بغطاء ديني.

وقد اعتمدت هذه الجماعة المنحرفة على الاستخدام الانتقائي والمجزأ لآيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية، مع تعمّد فصلها عن أسباب النزول، وسياقات الورود، وخلفياتها الأخلاقية والتاريخية والعقلية، فجرى تقديم العنف بوصفه أمرًا مقدسًا، وأُخضع العقل للتهميش والضغط. وفي هذا السياق، ترسّخ الفكر المتطرف لداعش في أذهان بعض الشباب على أنه «الإسلام المقدس»، في حين أن هذا النوع من القراءة لا ينسجم بأي حال مع روح الإسلام الحقيقية، ولا مع مقاصده وقيمه.

وفي مثل هذا الوضع، يبرز دور العلماء ـ بوصفهم المرجعية الفكرية والدينية للمجتمع ـ دورًا أساسيًا وحيويًا لا غنى عنه. فالعلماء يُعدّون ورثة المعرفة النبوية، وهم يتحملون مسؤولية علمية وشرعية في تقديم الإسلام على أنه دين متكامل، قائم على العدالة، ومحوره الأخلاق، ومرتكزه العقل. ذلك أن ضعف البيان العلمي للدين يفتح المجال أمام التيارات المتطرفة لتصادره عبر تفسيرات سطحية وعاطفية ومحرّفة، وتسخّره في خدمة أهدافها السياسية والعنيفة.

ومن هنا، فإن المهمة الأولى للعلماء تتمثل في إحياء الثقة الفكرية والإيمانية لدى الشباب بالقراءة الأصيلة والمقدسة للإسلام؛ تلك القراءة المنسجمة تمامًا مع العقل السليم، والإسلام الرحماني، وكرامة الإنسان، والمتوافقة مع المبادئ التي أكد عليها القرآن الكريم والسنة النبوية.

ومن الناحية المنهجية، يتعين على العلماء استخدام أدوات لغوية وبيانية تتناسب مع مستوى إدراك الجيل الشاب واحتياجاته الفكرية. إن التوظيف المنظم للمفاهيم الواضحة، والأمثلة الاجتماعية، والاستدلالات القرآنية والعقلية، يُخرج الدين من الإطار الشعاراتي والعاطفي، ويثبته بوصفه منظومة معرفية متماسكة قابلة للدفاع العلمي. وعندما يدرك الشاب أن الإسلام دين كرامة الإنسان، والعدالة الاجتماعية، والحرية المسؤولة، والقيم الأخلاقية، فإنه سيكتسب بطبيعة الحال حصانة فكرية في مواجهة خطاب داعش العنيف والمتطرف والمعادي للإنسان.

أما المهمة الثالثة والمسؤولية الأساسية للعلماء، فهي تهيئة الأرضية العلمية والأخلاقية والاجتماعية لعودة أولئك الذين وقعوا في شَرك هذا التنظيم المنحرف. فالكثير من العناصر الدنيا في داعش لم ينضموا إليه بدافع عداوة واعية أو حسابات مدروسة كما هو حال قادته، بل بسبب الجهل، والتحريض العاطفي، والانفعالات الدينية المنحرفة. وعلى العلماء أن يرسخوا بوضوح رسالة مفادها أن الإسلام دين التوبة والإصلاح وإعادة بناء الإنسان؛ وأن الرجوع عن الطريق الباطل أمر ممكن، وقيمة إنسانية سامية، وطريق النجاة فيه مفتوح دائمًا.

وفي الختام، لا بد من التأكيد على أن مواجهة داعش ليست معركة عسكرية وأمنية فحسب، بل هي قبل كل شيء معركة علمية وثقافية وتربوية. ويقف العلماء في الصف الأول من هذا الجهاد الفكري. فإذا دخلوا الميدان ببصيرة عميقة، ولغة علمية معاصرة، وجرأة بحثية، وحضور اجتماعي فاعل، فإنهم قادرون على إنقاذ الجيل الشاب من فخ التطرف والعنف والتحريف، وتقديم الصورة الحقيقية للإسلام ـ دين العقلانية والرحمة وكرامة الإنسان ـ إلى المجتمع بأسلوب علمي مقنع.

Exit mobile version