داعش؛ الإمبريالية المنفلتة ! الجزء الثاني

جنید زاهد

القوّة باعتبارها الهدف الأخير
داعش جماعة ترى في القوّة غايةً بحدّ ذاتها، لا وسيلةً للخدمة أو لتحقيق مقاصد إنسانية أو دينية، فهي تبذل كل طاقاتها في سبيل امتلاك السلطة، ولا تتورّع عن استخدام أي وسيلة لتحقيق هذا الهدف، دون أن تعبأ بالقيم الاجتماعية أو المبادئ الأخلاقية أو الضوابط الشرعية.
لقد بلغت داعش في سعيها نحو السلطة حدًّا لا تلتزم فيه بأحكام الفقه، ولا بمقاصد الشريعة، ولا بقواعد الحرب العقلية والأخلاقية، ولا تراعي أسس الاجتماع الإنساني. ولذلك، فإن نزعتها السلطوية لا تُحاط بحدود جغرافية ولا قانونية، بل تقوم على الخوف والدمار والفوضى.
في منطق داعش، القوّة هي الغاية بذاتها، ومن التكفير إلى العنف الصريح كلّ ذلك يُعدّ وسيلةً لتحقيق السلطة وصونها. وهي مستعدّة لتجاوز كلّ حدّ في سبيل تحقيق رغبتها، إذ تغرق في وهم التملّك الكامل للقوّة إلى حدّ رفض كلّ فكر أو بصيرة لا تتوافق مع منهجها. بل وأحيانًا تعمل على القضاء على المفكّرين الذين يخالفون رؤيتها.
وحين تستولي على الحكم وتجلس على عرش القوّة، لا يكون هدفها إقامة مقاصد الشريعة من عدلٍ ورحمةٍ وصونٍ للنفس والكرامة الإنسانية، بل تستخدم القوّة لتمنح شرعية لسلطانها. ولهذا تختار طريق التخويف بدل الإقناع، والإبادة بدل الإصلاح. وهي ترى أن الهيمنة على العالم، أو على الأقل على منطقةٍ منه، يجب أن تكون حصريًا وفق تفسيرها الخاص للإسلام ومعناه.
إن فكرهم ضيّق ورؤيتهم للعالم سطحية إلى درجة أنهم لا يعترفون بأي حركة أو قوة أخرى، حتى لو كانت قائمة على أصول الإسلام والشريعة نفسها. السبب الأساس هو أن هدفهم الأسمى هو الاستيلاء على السلطة، ولا يتصوّرون غايةً أخرى. لديهم انقلاب كامل في سلّم القيم، حتى جوهر الأخلاق في الدين لم يعد يُدرَك إلا من زاويتهم المنغلقة، وموقفهم من الحاكمية موقفٌ حزبيّ وجماعيّ صرف، لا يعترفون بغير جماعتهم.
وفي الواقع، تعود كل هذه الأسباب إلى عنصر السلطوية ذاته؛ فقد أصبحوا يعتمدون عليه إلى درجة فقدان القدرة على التحليل الواقعي والتقييم السليم، وانقلبت نظرتهم تجاه أي فكر أو نموذج آخر. إنّ داعش على استعداد لأن تدوس كل مبادئها وأسسها في سبيل السلطة، ولن تتردّد في أي محاولة لتحقيق ذلك.
وهذا ليس ادّعاءً فارغًا، بل حقيقةٌ مدوّنة في صفحات التاريخ، تشهد عليها كتب كثيرة تناولت هذا الموضوع. فداعش، هذه الحركة السلطوية الجامحة، قد ركّزت كل اهتمامها على هدفٍ واحد: نيل السلطة بأيّ وسيلةٍ تراها مشروعة في تصوّرها الخاص.

Exit mobile version