التنويم المغناطيسي السياسي والعسكري المفروض على الشعب الباكستاني!

أکبر جمال

لقد أُدخل الشعب الباكستاني في حالة ذهنية خاصة يمكن تسميتها، ببساطة، «التنويم المغناطيسي السياسي والعسكري». وهي حالة يرى فيها الإنسان معاناته وخسائره واستغلاله، لكنه يفقد الجرأة الفكرية والعملية على الوقوف في وجه ذلك.

ولتوضيح الفكرة أكثر، يمكن القول إن الملحدين يدّعون عادةً أن «الدين مخدِّر يُبعد الإنسان عن الواقع»، ويزعمون أن المتدينين يعيشون في نشوة وهمية، وجنّة خيالية، وحياة غير واقعية، ولا يملكون القدرة على إدراك الحقائق الأرضية. وتُستخدم هذه السردية ضد الأديان عمومًا، وبصورة خاصة ضد الإسلام، مع أن هذه الدعوى – من منظور المسلم – ليست سوى مغالطة فكرية واتهامًا مشحونًا بالتعصب.

غير أن الحقيقة المرّة هي أن مفهوم «التخدير» هذا ينطبق اليوم على واقع النظامين السياسي والدولتي أكثر مما ينطبق على الدين. فمنذ 78 عامًا، يهيمن في باكستان تركيب سياسي وعسكري يطالب الشعب بتضحيات متواصلة، دون أن يوفّر له في المقابل أبسط الخدمات الأساسية، ويُعدّ الوضع الاقتصادي أوضح شاهد على ذلك.

فقد أدّت موجات الغلاء القياسية، والارتفاع المستمر في أسعار المواد الأساسية، والكهرباء، والوقود، وانخفاض قيمة الروبية، وتزايد الديون الخارجية، إلى وضع الشعب – ولا سيما الفقراء والطبقة الوسطى – تحت ضغط لا يُحتمل، دفع بعض الناس حتى إلى الانتحار. كما ارتفعت البطالة والفقر بشكل ملحوظ نتيجة الركود الاقتصادي وإغلاق المصانع والمنشآت الصناعية. وخلاصة ذلك كلّه أن العيش بكرامة بات يومًا بعد يوم أبعد من متناول المواطن العادي.

وإلى جانب هذه الأزمة الاقتصادية، زادت حالة عدم الاستقرار السياسي من تفاقم الأوضاع. فالصراعات السياسية المتواصلة، والنزاعات الانتخابية، وإسقاط الحكومات المنتخبة على يد الجيش، والأحكام العرفية المعلنة والمستترة، وغياب الحوار الجاد والبنّاء، كلّها كسرت ظهر الحكم المستدام القائم على خدمة الشعب. وتُهدر طاقة الدولة في صراعات السلطة بدل حل مشكلات المواطنين، لينعكس الضرر مباشرة على عامة الناس.

كما أن وضع الأمن والنظام يبعث على قلق شديد. ففي خيبر بختونخوا وبلوشستان تتواصل حوادث العنف المسلح، وفي المدن الكبرى أدّت الجرائم اليومية، والنزاعات القبلية، والسرقات، وعمليات السلب، والتحرش العلني بالنساء، إلى زوال الإحساس بالأمن لدى المواطنين. فالدولة التي كانت تُعدّ رمزًا للحماية، باتت تتحول تدريجيًا إلى رمز لمصير مجهول في نظر الشعب.

وفي ظل هذه الظروف، ازدادت قضية حقوق الإنسان خطورة. فتقييد حرية التعبير، وحظر الأنشطة السياسية، وحالات الإخفاء القسري والاعتقال على يد الجيش وأجهزة الاستخبارات، والضغوط المفروضة على وسائل الإعلام، كلها مسائل أثارت قلقًا متكررًا لدى منظمات حقوق الإنسان داخل البلاد وخارجها. وفي مثل هذا المناخ، يُفسَّر الاختلاف في الرأي على أنه خيانة، ويُعدّ طرح الأسئلة ضربًا من التمرّد.

وتُعمّق السياسات الحكومية والأزمات الإنسانية حالة انعدام الثقة هذه. فحوادث مثل واقعة مريدكه، والعمليات العسكرية في وادي تيراه والمناطق القبلية الأخرى، وما نتج عنها من خسائر بشرية ونزوح متكرر، عرّضت المجتمعات المتضررة لصدمات نفسية واقتصادية واجتماعية قاسية. وكل ذلك يزيد الفجوة بين الشعب والجيش والدولة.

وإلى جانب الأزمات الداخلية، يزيد الضغط الخارجي والدولي الوضع تعقيدًا. فالعلاقات المتوترة التي يديرها الجيش مع الدول المجاورة، وخلق أجواء الحرب، والشروط القاسية للمؤسسات المالية الدولية، لا تُلحق الضرر بالسيادة الوطنية فحسب، بل تُلقي العبء الأكبر في النهاية على كاهل المواطن العادي. وتقدّم هذه الحقائق مجتمعة صورة واضحة مفادها أن: «باكستان واقعة في أزمة شاملة اقتصادية واجتماعية وسياسية».

ومع ذلك، يبقى السؤال قائمًا: إذا كانت الأوضاع بهذا السوء، فلماذا يصمت الشعب؟
ولماذا لا يرفع صوته في وجه هذه المؤسسات الظالمة، ولا يمسك بتلابيبها؟ ولماذا جعل نفسه فريسة سهلة لهذه الوحوش؟

إن المأساة تكمن في أن جواب هذه الأسئلة يوجد في الدعوى نفسها التي يطلقها الملحدون المشار إليها آنفًا؛ أي في ذلك البعد النفسي الذي يتهمون به الدين. فقد زُرع في وعي الشعب الباكستاني – على يد الحكّام الظالمين والمؤسسات العسكرية – الاعتقادُ بأنه إن لم يبقَ هذا الجيش، وهذه الأحزاب السياسية، وهذا النظام القائم، فإن البلاد ستتفكك، وستتعرض لهجوم قوى خارجية، وسيصبح مصيرها كمصير ليبيا وغزة. في حين أن الحقيقة المؤلمة هي أن هذه المؤسسات نفسها تمارس، منذ 78 عامًا، قتلًا اقتصاديًا وسياسيًا ودبلوماسيًا، بل وحتى جسديًا مباشرًا بحق شعبها.

وبعبارة أخرى، فُرض على الأمة الباكستانية أن تعتقد بأن حياتها مرتبطة بذلك الجيش القاتل نفسه؛ أي أن تؤمن في كل لحظة بأن حاميها الحقيقي هو هذا الجيش بعينه. وهذا هو جوهر التنويم المغناطيسي السياسي والعسكري: نوع من التخدير الذهني… يرى فيه المسلم الباكستاني المظلوم ظلم مؤسسته العسكرية، ومع ذلك يلتزم الصمت؛ ولا يُسمح له بالتفكير في أن الأمن الحقيقي لا ينبع من المؤسسات القهرية، بل من العدل، والشفافية، ووعي الشعب.

وما لم يجد المسلم الباكستاني المظلوم الشجاعة لتغيير تفكيره، وما لم يطرح السؤال الجوهري: «لماذا نتحمّل كل هذا؟»
فلن يغيّر مصيرهم أي شعار، ولا أي حزب، ولا أي قوة. لأن قاعدة التاريخ واضحة تمامًا: الأمم التي تتخلى عن التفكير والعمل، يَسودها الظالمون والطغاة، فيمزقونها ويأكلونها ببطء.

Exit mobile version