الصيام… الطريق إلى التقوى
حلّت من جديد شهرُ رمضان المبارك، شهرُ ضيافة الله جلّ جلاله؛ الشهرُ الذي تُفتَّح فيه أبواب الرحمة، وتُغلَق أبواب النار، وتُصفَّد الشياطين. الشهر الذي تُعدّ فيه أنفاس المؤمن تسبيحاً، ونومه عبادة. إنّه فرصة استثنائية لنعود إلى ذواتنا، ولنشيّد في داخلنا صرح التقوى.
وقد بيّن الله تعالى في أول آية نزلت في حكم الصيام فلسفة هذا العبادة العظيمة بقوله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
أي: فرض عليكم الصيام كما فُرض على الأمم قبلكم، لكي تبلغوا مرتبة التقوى.
الغاية العظمى من الصيام هي الوصول إلى أعلى درجات التقوى. والتقوى يقظةٌ دائمة ورقابةٌ باطنية تحجز الإنسان عن المعاصي، وتقوده إلى طاعة الله جلّ جلاله. والصيام هو الميدان العملي الذي يُدرّب فيه المؤمن هذا الخُلُق الجليل.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: «الصوم جُنّة»، أي: وقاية.
فالصيام كالدّرع الذي يقي الإنسان من الذنوب، ويُبعده عن النار. وكما يحمي الدرعُ المحاربَ من سهام العدو وضرباته، يحفظ الصيام المؤمن من وساوس النفس والشيطان، ويصرفه عن المنكرات. بل هو وقايةٌ من نار جهنّم أيضاً.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر:
«ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً».
أي أن الله تعالى يباعد بين وجه الصائم وبين النار بمقدار سبعين سنة بسبب يوم واحد من الصيام.
إذن فالصيام يصنع بين الإنسان وبين النار مسافة أمان، وهذه هي ثمرة النجاة التي يطلبها كل مؤمن.
ولكن كيف يحمينا الصيام؟
إنه يضعف الشهوات الجامحة بالامتناع عن الطعام والشراب، ويقوّي الإرادة. فمن يقدر شهراً كاملاً على الامتناع عن المباحات—الماء والطعام والزوجة—سيكون أقدر على الثبات أمام المحرمات بعد رمضان. وهذا التدريب المتواصل يرسّخ ملكة التقوى في النفس.
وتزكية النفس—وهي الهدف الأساس في هذه الدروس—لا تتحقّق إلا بهذا التمرين العملي. فرمضان شهر إصلاح الذات ورياضة النفس، الشهر الذي نطهّر فيه قلوبنا من شوائبها. وقد جاء في الروايات أن أعظم الجهاد: جهاد النفس. ورمضان هو ساحة هذا “الجهاد الأكبر”.
فلنغتنم هذه الفرصة الذهبية بنية صادقة وعزيمة ثابتة. لنؤسس في أنفسنا بنيان التقوى، ولنحرِّر أرواحنا من عادات السوء وقيود الذنوب، كي نخرج من رمضان بقلوب نقية ونفوس أقوى تستقبل بقية العمر بروح جديدة.
ولا ننسى أن الصيام ليس مجرّد ترك الطعام والشراب. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».
أي: من لا يترك الكذب والباطل، فلا حاجة لله في امتناعه عن الطعام والشراب.
فالصيام الحقيقي هو صيام الجوارح:
صيام العين عن الحرام،
وصيام اللسان عن الكذب والغيبة،
وصيام الأذن عن اللغو،
وصيام القلب عن كل ما يكره الله تعالى.
فلنُقبِل على هذا الشهر إقبالاً واعياً كاملاً، ليكون الصيام جسراً إلى التقوى التي تثمر في رمضان… وتبقى معنا في بقية العمر.



















































