باكستان تلهو بنيران سياساتها السيئة!

أجمل كاكر

أحدُ قادةِ المسلّحين البلوش في باكستان، بشير زيب بلوش، دعا في مقطع فيديو نُشر من إحدى مناطق مدينة كويته عاصمة إقليم بلوشستان، أنصاره وسكّان الإقليم إلى الانتفاض بشجاعة ومواجهة السياسات السياسية الفاسدة للحكومة المحلية والنظام العسكري الباكستاني.

وقال أثناء توجيه رسالته وهو ممتطي الدراجة النارية وبجواره عدد من أنصاره المسلحين: إن الفرصة الذهبية للدفاع عن حرية الأرض وصون كرامتها قد حانت، وإنه يتوجب على الجميع أن ينهضوا صفًا واحدًا وبعزم راسخ، استعدادًا للمساءلة والحساب.

لقد لفتت هذه الدعوة الصريحة والإعلان الواضح أنظار الأفغان، إلى جانب سائر محبّي الحقيقة في شتّى أنحاء العالم، إلى واقعٍ مرير وإلى زيف الادعاءات المكرّرة، والمتمثّل في زعم النظام العسكري الباكستاني مرارًا وتكرارًا أن المسلّحين البلوش يتلقّون دعمًا من أفغانستان لخوض النزاعات والقتال داخل باكستان، وأن قياداتهم تحظى هناك بمساندة «الإمارة الإسلامية»، وهي تهمة لا أساس لها ولا تستند إلى دليل. غير أنّ ما كان قد أعلنه سابقًا الجانب الأفغاني قد اتّضح اليوم جليًّا، وهو أنّ قضية المسلّحين البلوش تمثّل في جوهرها مشكلة داخلية باكستانية خالصة، تعود جذورها وأسبابها إلى الداخل الباكستاني نفسه، وليست خافية على أحد.

أقدم المسلّحون البلوش في الآونة الأخيرة على تصعيدٍ واسعٍ في أعمال العنف والقتال، في تجسيدٍ حيّ للمثل الدَّري القائل: «إذا بلغ الضيق منتهاه اندلعت الحرب». ويبدو أنّ النظام الباكستاني، في ظلّ تخلّفه أو إخفاقاته المتراكمة في شتّى مجالات الحكم، يقف هذه المرّة عاجزًا حتى أمام المسلّحين البلوش، فيسعى إلى إضفاء بُعدٍ خارجي على هذه الأزمة الداخلية للتستّر عليها، ولن يتوانى علنًا عن توظيف أي وسيلة لتحقيق ذلك.

إنّ حركة المسلّحين البلوش هي نهضة مسلحة انطلقت وهي تحظى بدعم ملايين البلوش الذين لم تُصادَر مواردهم المادية والاقتصادية منذ سنوات طويلة لصالح إقليم البنجاب فحسب، بل نُهبت كرامتهم وشُوّه شرفهم أيضًا بوحشية على أيدي الجنود الباكستانيين؛ حيث يُقتلون ويُزجّ بهم في السجون ويُهجَّرون قسرًا بذريعة العمليات والأمن. ولذلك، لا يساور شكّ في أنّ انتفاضة المسلّحين البلوش ونضالهم إنما يمثّلان ردّ فعلٍ مباشر على هذه الممارسات الجائرة.

وفقًا لتقارير المنظمات المعنية بشؤون البلوش والمنظمات المستقلة لحقوق الإنسان، تشهد ولاية بلوشستان منذ أكثر من عقدين أسوأ أشكال النهب والانتهاكات على أيدي الجيش الباكستاني والميليشيات التابعة له، حيث يتعامل الحكّام العسكريون المحليون مع السكان بعقلية عدائية وقمعية. وحتى اليوم، اختفى مئات بل آلاف الأشخاص قسرًا بأوامر من الجيش وأجهزة الاستخبارات، ويُقتَلون يوميًا بذريعة الأمن والاستقرار، فيما تُنتهك حقوقهم الإنسانية والوطنية بشكل صارخ، وتُضحّى بمصالحهم في سبيل سياسات ومطالب إقليم البنجاب.

لا تحمل هذه الحرب أيّ بُعدٍ خارجي أو دعمٍ من الخارج، بل إنّ سببها الحقيقي هو الجيش الباكستاني نفسه، الذي لم يزل حتى اليوم، إلى جانب الإخفاءات القسرية وعمليات الاغتيال، يقدم على اختطاف وقتل وإخفاء عددٍ كبير من الأشخاص تحت ذريعة محاربة المخربين. وقد أدّت هذه العمليات العسكرية الواسعة إلى تدمير الموارد المحلية ونسيج الحياة والنظام الاجتماعي في مناطق السكن، إيذانًا بظهور موجة جديدة من الأزمات والكوارث الداخلية.

إنّ إقصاء القومية البلوشية عن مراكز السلطة في إقليم بلوشستان يمثّل وجهًا آخر من أوجه الظلم، ويوفّر ذريعةً إضافية لاشتعال الحرب. فقد فتح الإقصاء السياسي وحالة الفوضى باب الاغتراب أمام السكان البلوش المحليين، إذ لم يمنحهم النظام العسكري، ولا قادتهم، أي موقع أو صلاحية ضمن البنية السياسية، بل اكتفى باستغلالهم تحت شعار باكستان والاستقرار. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل مضى أبعد من ذلك بتطبيق سياسات تستهدف تصفية هؤلاء القادة، في مسعى ممنهج لإدامة نزع الإرادة والحرمان من القدرة السياسية.

كما هو الحال في إقليم خيبر بختونخوا، عمد النظام العسكري منذ زمن طويل في بلوشستان إلى الاستيلاء على الثروات الطبيعية، بحيث تذهب جميع عائداتها حصرًا إلى إقليم البنجاب وإسلام آباد. وعلى الرغم من غنى هذه المنطقة بمواردها الطبيعية، لم يطرأ أي تحسّن يُذكر على أوضاعها الاقتصادية أو الاجتماعية، وهو ما يشكّل ظلمًا صارخًا وإجحافًا واضحًا، كان من أبرز الدوافع التي فجّرت حركة المسلّحين البلوش وأشعلت احتجاجاتهم والصراعات القائمة.

إنّ باكستان، التي تدّعي تبنّي ديمقراطية واسعة تحظى برضا الشعب ونظامًا جمهوريًا، تتجلّى زيف هذه الصورة فيها بوضوح في بلوشستان كما في خيبر بختونخوا، حيث لا يُمنح الناس أيّ قدر من السلطة السياسية ويعيشون في حالة تاريخية من التهميش وانعدام النفوذ. فالقادة السياسيون والحزبيون يُغتالون تباعًا على أيدي مسلّحين ملثّمين أو عبر تفجيرات، ولا يُعاقَب الجناة، لأنهم في الأصل عناصر موجّهة من الجيش وأجهزة الاستخبارات، أو ما يُعرف اصطلاحًا بالقتلة المأجورين.

لقد آن الأوان لكي تكفّ باكستان عن ذرّ الرماد في عيون العالم، وأن تواجه بعض الحقائق السياسية وتسلم بأن لا أفغانستان ولا أي دولة خارجية طرفٌ في صراعاتها الداخلية، بل إنّ هذه الأزمات هي نتاج سياسات النظام العسكري الخاطئة ومشاريعه الخارجية، التي قوّضت على نحوٍ دائم مكانة الحكومة المدنية ومصداقيتها في باكستان. ولم يبقَ أمامها سوى أن تواجه العالم بصدق بدل توجيه الاتهامات، وأن تتعامل مع شعبها بإنسانية، وإلا فإنّ قوة الشعب ستطيح بها عن سدة الحكم، وهو وضع لن يكون في مصلحة أحد.

وفي محاولةٍ لإخفاء سياساته السيئة ونقاط ضعفه ومسؤولياته، يعمد النظام الباكستاني، وفق عادته، إلى تحميل الآخرين تبعات أزماته، موجّهًا هذه المرّة أيضًا أصابع الاتهام أولًا إلى أفغانستان. غير أنّ الحقيقة الثابتة هي أنّ أفغانستان ليست طرفًا في هذه القضايا، ولا تقدّم أيّ دعم لها، كما أنّ قيادة البلوش لا تمارس نشاطها من أراضينا. ويستند الموقف الأفغاني إلى مبدأ واضح يقوم على عدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وهو التزام أثبتته الحكومة الأفغانية عمليًا منذ عودتها إلى الحكم.

Exit mobile version