الهجوم في إسلام آباد والحقائق المستجدة! تعليق حالي

شهدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد يوم الجمعة الماضية (18 شعبان / 17 دلو) هجومًا دمويًا استهدف مسجدًا تابعًا لأهل التشيّع، خلّف ما يقارب مئتي قتيل وجريح. وقد تبنّى تنظيم داعش المسؤولية عن الهجوم، ونشر صورة المنفّذ.
بعد ساعات قليلة من الهجوم، تحركت باكستان بجدية وبدأت بسرعة حملة عمليات ضدّ عناصر داعش. ووفق المعلومات، فإن المجموعة التي خططت لهجوم الجمعة الماضية في إسلام آباد ينحدر أفرادها من منطقتي “دمه دوله” و”كتكوت” في مديرية باجوَر بولاية خيبر بختونخوا.
وتشير المعلومات إلى أنّ التخطيط للهجوم في إسلام آباد كان على يد: عمران (المعروف بأبي بكر الباجوري)، وأدريس (المعروف بيوسف)، وملا عمران. هؤلاء أشرفوا على منفّذ العملية، تواصلوا معه هاتفياً، درّبوه في باجوَر، ونقلوا له السترة الناسفة من بيشاور.
وفي مساء يوم وقوع الهجوم، شنّت القوات الأمنية الباكستانية عملية على مركزهم في منطقة حكيم آباد—نوشَهرة بخيبر بختونخوا، قُتل خلالها يوسف (أدريس)، وأُلقي القبض على أبي بكر الباجوري، بينما فرّ ملا عمران.

ولإخفاء فشلها في منع الهجوم وفي ضبط عناصر داعش ضمن أراضيها، ادّعت السلطات الباكستانية أنّ المنفّذ ومنسّقي العملية كانوا يترددون على أفغانستان في الأشهر الأخيرة—مع أنّ جميع المخططين باكستانيون أصلاً، وأنّ انتقالهم إلى باجوَر قبل أشهر قليلة من حُكم الإمارة الإسلامية كان بسبب التضييق الأمني الشديد عليهم داخل أفغانستان، وعدم قدرتهم على مواصلة نشاطهم هناك.

وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه المجموعة تقف خلف سلسلة اغتيالات استهدفت مسؤولين في “جمعية علماء الإسلام”، علماء دين وشخصيات بارزة في باجوَر ومدينة بيشاور منذ عام 2023، منهم:
مولانا صلاح الدين، عضو جمعية علماء الإسلام – تاريخ الاستشهاد: 7 سبتمبر 2023
مولانا الطاف حسين، عضو الجمعية وتاجر في “عنایت كلي” – تاريخ الاستشهاد: 7 سبتمبر 2023
مولانا نور محمد، عضو الجمعية وتاجر سجاد في “عنایت كلي” – تاريخ الاستشهاد: 22 يونيو 2023
معاذ خان، مسؤول محلي في الجمعية، ونجل القيادي السابق في طالبان باكستان مفتي بشير (الذي اغتيل أيضًا على يد داعش في رمضان الماضي) – تاريخ الاستشهاد: 18 أبريل 2023
قاري إسماعيل، عالم سلفي – تاريخ الاستشهاد: 29 أكتوبر 2023
قاري زين العابدين، إمام مسجد – تاريخ الاستشهاد: 27 أكتوبر 2023
مولانا طلا محمد، عالم سلفي ومدرس – تاريخ الاستشهاد: 4 أكتوبر 2023
أكرم خان، تاجر بارز – تاريخ الاستشهاد: 9 نوفمبر 2023
لكن السؤال الذي يطرح نفسه:
لماذا لم تُرصد هذه المجموعة طوال عامين؟
ولماذا لم تبدأ العمليات ضدّها إلا بعد يوم واحد من هجوم إسلام آباد؟
ولماذا تبدلت الاستراتيجية الأمنية والعسكرية الباكستانية بعد هذا الهجوم؟
هذه أسئلة جوهرية أثارها المحللون في الشؤون الأمنية والاستخباراتية بعد الهجوم.
انتقال قيادة “ولاية خراسان” وعناصرها إلى باكستان
بعد تولّي الإمارة الإسلامية الحكم في أفغانستان، ضاق الخناق بشدة على عناصر داعش، فأصدرت قيادة “ولاية خراسان” توجيهًا بنقل كوادرها وقياداتها إلى باكستان بحثًا عن ملاذ آمن.
وبما أنّ عقيدة داعش تقوم على تكفير جميع حكومات العالم واعتبارها “مرتدة”، فقد شكّل الانتقال إلى باكستان تحديًا عقائديًا لهم، إلا أنّ مؤسسات الأمن الباكستاني—وفق اعتبارات سياسية واستخباراتية—وفّرت لهم بشكل غير مباشر مساحات منظّمة للتمركز، خصوصًا في المناطق الحدودية الجبلية ببلوشستان وخيبر بختونخوا، مع إبقائهم تحت ضغط دائم ورقابة مشددة.
وبعد أن أعاد داعش تنظيم صفوفه في منطقة “مستونغ” ببلوشستان، شنّت القوات الباكستانية عملية واسعة في 25 فبراير 2025 واستمرت ثلاثة أيام، أسفرت عن تدمير مراكز التنظيم ومقتل نحو 30 قياديًا ومقاتلًا—معظمهم أجانب—منهم:
وليد التركي
محمد إسلام كرد الإيراني
عبدالله التركي
ومع تدمير مراكز مستونغ، نقل التنظيم ثقله مجددًا إلى خيبر بختونخوا، لكنه ظل تحت الاستهداف؛ فتعرضت مراكزه في “جبارميله” بمديرية خيبر لضربة طائرة مسيّرة في 26 نوفمبر الماضي.
وفي 2 فبراير الجاري، هاجم مسلحون مجهولون مركزًا آخر للتنظيم في “شنکو” بمنطقة قمبرخيل—بارۀ، ما أدى إلى مقتل 11 عنصرًا وإصابة ثلاثة آخرين، معظمهم أجانب، ومن بينهم شخصية محلية بارزة تُدعى “عدنان” (أبو الحرب).
وخلال العامين الماضيين، قُتل العديد من عناصر التنظيم في باكستان أيضًا على يد مسلحين مجهولين.
فوضى داعش الفكرية والسياسية
يعاني تنظيم داعش من انقسام فكري وهيكلي عميق، نتيجة تشدد بعض أجنحته وتجاوزهم حتى لمنهج التنظيم في التكفير، ورفضهم لأي تفريق أو تدرّج أو مصلحة.
وفي المقابل، هنالك جناح آخر براغماتي، مستعد للتعاون السري مع أجهزة استخبارات لأجل حماية بقائه.
هذا التضارب أدّى إلى نشوء مجموعات داخل التنظيم، كل منها يتعامل مع قائده بوصفه “سلطة مطلقة”، ما خلق حالة من الفوضى الداخلية.
علاقة داعش بالاستخبارات الباكستانية
ترجع جذور العلاقة بين المخابرات الباكستانية وتنظيم داعش–خراسان إلى السنوات الأولى لظهور التنظيم. فبحسب الشيخ عبد الرحيم مسلم دوست، حاول ضباط منسوبون إلى “لشكر طيبة” السيطرة على التنظيم وتوجيهه لخدمة أهداف باكستان.
ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن، استُخدم فرع داعش في خراسان وباكستان كأداة غير مباشرة لخدمة أهداف معينة، منها اغتيال شخصيات معارضة للسياسات العسكرية.
وينحدر معظم المتعاونين مع الاستخبارات الباكستانية داخل داعش من المناطق القبلية الممتدة على طول خط ديورند ومن بعض مقاتلي المناطق الشرقية في أفغانستان، ممن كانوا جزءًا من القيادة الأولى للتنظيم.
لكن مكانتهم داخل داعش تراجعت مؤخرًا، وحلّت محلّهم وجوه جديدة أقل خبرة وأكثر تشدّدًا، تؤمن تمامًا بالعقيدة المتطرفة للتنظيم.
لماذا نفّذ داعش هجوم إسلام آباد؟
نظرًا لوجود صلات وتنسيق بين داعش–خراسان وبعض دوائر الاستخبارات الباكستانية—في مستويات مختلفة—اتّخذت هجمات التنظيم داخل باكستان طابعًا استخباراتيًا واضحًا، وكانت تُحدد أهدافه وفق ظروف سياسية داخلية.
هذا النمط خلق حالة شكّ وانعدام ثقة داخل التنظيم نفسه. ومن أجل رفع معنويات عناصره والتغطية على بعض إخفاقات قيادته، يعمد داعش أحيانًا إلى تنفيذ هجمات نوعية في مواقع حساسة، لاستعادة صورته أمام أفراده. يرى محللو الجماعات المسلحة المحلية أنّ تبنّي الطابع الاستخباراتي للهجمات داخل باكستان أدّى إلى ازدياد الشكوك والضبابية وانعدام الثقة داخل صفوف داعش. وفي مثل هذا المناخ، تلجأ قيادة داعش – من أجل ذرّ الرماد في عيون بعض مسؤوليها وأفرادها، وكسب رضا بعض العناصر المفصلية، ورفع معنويات مقاتليها – إلى استهداف “أهداف رخوة” في مواقع حسّاسة بين حين وآخر.
وتشير إحدى الدراسات كذلك إلى أنّ ضرب مراكز التنظيم في بلوشستان، واستهداف مراكزه الجديدة في خيبر بختونخوا، قد ألحق ضرراً بالغاً بفرعي داعش – خراسان وباكستان – ما جعل التنظيم في حاجة ماسّة إلى إثبات وجوده من جديد، وإظهار وفائه لمنهجه، وأنه غير خاضع لنفوذ الأجهزة الاستخباراتية. ولهذا السبب استهدف مسجد أهل التشيّع في العاصمة إسلام آباد. وقد ساعده هذا الهدف السهل في “اصطياد ثلاثة عصافير بحجر واحد”، دون أن يدرك بأنّ هذا التقدّم قد يجرّ عليه تبعات ثقيلة.
لماذا تغيّرت الاستراتيجية العسكرية الباكستانية ضد داعش بعد هجوم إسلام آباد؟
أظهرت المداهمات السريعة والتتبّع الأمني المكثّف الذي نفّذته الأجهزة الأمنية الباكستانية ضد خلية باجوُر التابعة لداعش – بخلاف ما كان متوقّعاً – أنّ باكستان لا يمكنها تحمّل الهجمات العشوائية وغير المنضبطة التي يشنّها داعش، وخاصة تلك التي تتعارض مع المصالح السياسية والسياسات العامة للمنظومة العسكرية الحاكمة. وعلى الرغم من أنّ هجمات سابقة استهدفت الشيعة في مناطق مختلفة من باكستان، فإنّ النظام العسكري لم يُقدِم قبل ذلك على تحرك سريع مماثل ضد داعش.
غير أنّ إسلام آباد هي العاصمة، وهي المدينة التي يروّج الجيش الباكستاني لكونها آمنة ومتطورة ومثالية من جميع الجوانب، ويعرضها للعالم باعتبارها نموذجاً للاستقرار، ووسيلة لجذب الاستثمارات الأجنبية. ولإقناع المستثمرين بأنّ الظروف مهيّأة للاستثمار، وأنّ الأمن متحقق، وأنّ دولة قانون ونظاماً عسكرياً واستخباراتياً قوياً يديران البلاد. لكنّ هذا الهجوم وضع سرديات النظام العسكري ومساعيه موضع تهديد.
وفي البداية، حاولت المنابر الإعلامية التابعة للمؤسسة العسكرية الباكستانية نسب الهجوم – وفق تعبيرهم – إلى “فتنة الخوارج”. وعادة ما يستخدم النظام العسكري هذا المصطلح ليس فقط ضد داعش والمجموعات المتأثرة بالاستخبارات، بل كذلك ضد الفصائل الجهادية التي تقاتل المؤسسة العسكرية. غير أنّ اعتراف وكالة “أعماق” التابعة لداعش بالمسؤولية ونشرها صورة المنفّذ، شكّل رسالة واضحة بأنّ التنظيم أصبح ذا نفوذ واسع داخل باكستان، وأنه رسّخ وجوده هناك. وهذا الأمر كان غير مقبول لدى النظام العسكري، الذي سارع إلى تنفيذ إجراءات ردعية لتخفيف وقع الهجوم وإضعاف “الرمزية” التي اكتسبها.
كما هدفت هذه الإجراءات إلى ترميم الإخفاق الاستخباراتي من جهة، ومن جهة أخرى إلى الحدّ من الانتقادات والضغوط الدولية بشأن وجود داعش ونشاطه داخل الأراضي الباكستانية.
وجدير بالذكر أنّ المسؤولين الباكستانيين دأبوا في الآونة الأخيرة على إلقاء اللوم في الهجمات الدموية على أفغانستان، لكنّ منفّذ هجوم إسلام آباد – وكذلك كامل المجموعة والمخططين – كانوا جميعاً من مواطني باكستان. وتشير المعلومات إلى أنّ بعض أقارب المنفّذ قد اعتقلوا أيضاً من قبل الأجهزة الأمنية الباكستانية.
إنّ الهجوم على مسجد إسلام آباد يمثّل درساً واضحاً للأجهزة الاستخباراتية الباكستانية، فبغضّ النظر عن حجم استثمارها المباشر أو غير المباشر في جماعات مثل داعش لتحقيق أهدافها الاستراتيجية والتكتيكية، سيأتي الوقت الذي ترتدّ فيه هذه الجماعات عليها وتوجّه ضرباتها إلى الداخل. وهذه ناقوس خطر ينبغي أن يوقظ باكستان، ويدفعها إلى خوض مواجهة صادقة ضد هذه الجماعات بدلاً من استخدامها كأدوات استخباراتية.

Exit mobile version