ورد في صحيح البخاري وصحيح مسلم أن رسول الله ﷺ كان يقسّم الغنائم، فقام رجل يُدعى حرقوص فقال للنبي ﷺ: «اتقِ الله واعدل!» فلما سمع النبي ﷺ ذلك قال بصوت غاضب: «ويحك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟» فلم يحتمل رمز الشجاعة والفروسية، سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه، هذه الجرأة وسوء الأدب، فاستأذن في أن يضرب عنق هذا الوقح، غير أن رحمةً للعالمين ﷺ منعه. لكنه قال لعمر رضي الله عنه كلمةً أصيلة راسخة، أخبر بها الأمة إلى يوم القيامة عن فئة ستظهر في كل عصر بأسماء وأزياء مختلفة، تطعن صدور أتباع الإسلام بخناجرها وهي تتخذ من اسم الإسلام ستارًا.
قال النبي ﷺ: «إن هذا ليس وحده، بل يخرج من ضِئضِئه أقوام تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».
وقد تحققت هذه النبوءة حرفيًا في كل عصر، ولا يستطيع أحد إنكارها أو الشك فيها. ففي عصور الخلفاء الراشدين، وأمير المؤمنين معاوية، وبني أمية، والخلفاء العباسيين، وصلاح الدين الأيوبي، ونور الدين زنكي، والدولة العثمانية، واليوم في عهد الإمارة الإسلامية، كان أتباع حرقوص حاضرِين بالطريقة نفسها، يمزّقون صفوف المسلمين بين الحين والآخر بأسماء وصور شتى. يسفكون دماء أهل القبلة، ويبدون كوصمة سوداء على جبين الإسلام الطاهر.
ومن خلال أفعالهم، تخجل اليهود والهندوس في كل زمان؛ لأن هؤلاء جعلوا الإسلام وتعاليمه لعبة. يرفعون اسم الإسلام لكنهم لا يسعون لفهم معناه، ويؤولونه تأويلًا سلبيًا متعسفًا وفق ما تمليه عقولهم الملوثة، ويستدلون لتبرير أخطائهم وبذاءاتهم بحجج لا تستقيم حتى على ميزان العقل.
في معركة الجمل، وبعد أن انتهى الخلاف بين عليّ وعائشة رضي الله عنهما، وأعاد أمير المؤمنين عليٌّ رضي الله عنه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إلى المدينة المنورة مكرّمة معززة، ثارت مراكز الفتنة وأتباع ذو الخويصرة بالضجيج، ورفعوا الشعارات وقالوا: لماذا لم تُسبَّ عائشة رضي الله عنها (والعياذ بالله)؟ وزعموا أن من جاز قتاله جاز سبيُه. فأجاب حيدر الكرار رضي الله عنه جوابًا عقليًا محكمًا فقال: إن القرآن جعل زوجات رسول الله ﷺ أمهاتٍ للمؤمنين، أفترضون أن تُسبَّ أمهاتكم؟ كان بذلك يبيّن للناس جهلهم الديني، ويرثي لعقول لا تتسع لبديهيات كهذه. ومع ذلك، اتخذ أولئك الحمقى بقيةَ أصحاب رسول الله ﷺ، ولا سيما أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، هدفًا لسهامهم.
ثم في موضع آخر، لما اتفق عليٌّ كرم الله وجهه مع معاوية رضي الله عنه على تحكيم حكمين للفصل في النزاع، ضجّ هؤلاء المفسدون الجدد قائلين: لا حكم إلا للقرآن! وكان هذا طلبًا أجوفَ سخيفًا لا يراد به إلا إثارة اللغط. فأجابهم عليٌّ رضي الله عنه بأسلوب فريد لا بالجدال اللفظي؛ إذ أمر مئاتٍ أن يحملوا المصاحف ويتقدموا بها، ثم قال بصوت عالٍ: يا قرآن! تكلّم واحكم بيننا! فتعجّب الناس: كيف تتكلم صفحات القرآن؟ وكان عليٌّ يعلم ذلك، لكنه أراد أن يكشف حماقتهم ويُظهر ضلالهم؛ فلو كانت لهم حرمةٌ لقرار القرآن، لكان أهل القرآن هم الذين يحكمون، ومن أحقُّ بذلك من الصحابة، وعلى رأسهم عليٌّ رضي الله عنه؟ لكن الجهل غلّف عقولهم فلم يدركوا حتى هذه الحقيقة البسيطة.
ومن أبرز صفات إخوان حرقوص الذين أنبأ عنهم رسول الله ﷺ أنهم، لافتقارهم إلى الفهم الصحيح للدين وتأويلهم له بهواهم، أشدّ الناس جرأةً على سفك دماء المسلمين. يمتنعون — من تقواهم الحمقاء — عن أكل تمرةٍ ساقطة خشية الحرام، ثم يقتلون عباد الله الأخيار بوحشية لا يطيق القلب رؤيتها.
فلما أسروا عبد الله بن خباب بن الأرت رضي الله عنه، لمجرد أنه لم يطعن في عليٍّ رضي الله عنه، علّقوه على شجرة وعذبوه، ثم ذبحوه على شاطئ النهر كما تُذبح البهائم، ثم شقّوا بطن زوجته الحامل فقتلوها. وفي اللحظة نفسها، لما سقطت تمرة وأخذها أحدهم في فمه، صاح آخر: أكلت تمرة بلا إذن صاحبها! هذا حرام! وكذلك إذا ضرب أحدهم خنزيرَ ذميّ بسيفه، عاتبه آخر بشدة، ثم بحث عن صاحبه ودفع له ثمن الخنزير.
وقد دبّر هؤلاء الخوارج خطة لاغتيال عليٍّ ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم، وهم من كبار أصحاب رسول الله ﷺ وأركان الإسلام وقادة الفتوحات، فكان من نتائجها استشهاد عليٍّ رضي الله عنه، صهر النبي ﷺ وأسد الله الغالب.
ومن سمات جيش ذو الخويصرة الخبيث أنهم يكثرون الطعن والاعتراض، ويكفّرون ويشركون مخالفيهم لأدنى خلاف. لا يعترفون بتدرّج الذنوب؛ فإما أن تكون مثلهم، وإلا وُسِمتَ بالكفر والردة. ولما دُعوا للالتحاق بعليٍّ رضي الله عنه قالوا: لا، حتى يتوب من الشرك ثم يُسلم! مع أن النبي ﷺ شهد بإيمان عليٍّ، وجعله معيار الحق، واعتبر حبَّه إيمانًا وبغضَه نفاقًا؛ لكن هؤلاء الجهلة يكفّرونه لأدنى اختلاف، إذ لا حظَّ لهم من العلم، وإنما يستدلون بالنصوص العامة استدلالًا فاسدًا، ويُلقون دروس «إن الحكم إلا لله» على باب مدينة العلم.
فانظروا اليوم إلى حرقوصيي هذا العصر وخويصرييه؛ يفعلون ما فعل أسلافهم في الخلافة الراشدة. ففي أفغانستان، حيث قام بعد عقود نظامٌ إسلاميّ سُفكت لأجله دماء أكثر من مليون شهيد، وحيث ينادي قائده أمير المؤمنين — حفظه الله — على المنابر: «إن رأيتم في هذا النظام شيئًا يخالف الإسلام فأخبرونا لنُصلحه»، تجمّعت هذه الفئة الحرقوصية والخويصرية ضد النظام، والأعجب أنهم مستعدون للاستعانة بالأجانب ضد المسلمين بلا حياء؛ لأن الخنزير عندهم أغلى من ابن صحابي.
ومنذ أن منّ الله على الإمارة الإسلامية بالفتح وأذلّ بها كفار العالم وحلفاءهم، حمل هؤلاء السلاح، وفجّروا المساجد، واستهدفوا المدارس الشرعية، واغتالوا العلماء الكبار، وطاردوا قادة النظام والمجاهدين الذين ما زالوا شوكة في عيون الكفر.
وآخر جرائمهم ما وقع أمس في كابُل — شهرنو، زقاق گلخانه — حيث أحرقوا سبعة مسلمين أبرياء بتفجير داخل فندق، ثم تباهوا بتبنّي الجريمة، ولم يستحِ هؤلاء القساة أن يصفوا الضحايا بالردة والشرك.
وقد أثبتت الوقائع — ويؤمن بذلك أهل العلم — أن هؤلاء استُخدموا دائمًا لكبح القوة الإسلامية، واستغلّهم الأجانب كعبيدٍ مأجورين. ففي عصر الخلفاء الراشدين، لما اتسعت الفتوحات وارتعدت قصور الكفر، لم يجدوا سبيلًا لإيقافها، فاستعانوا بهؤلاء الحمقى بلباس الإسلام، وأشعلوا الفتنة بين المسلمين في عهد عليٍّ رضي الله عنه.
وتواصل هذا النهج في كل عصر، حتى عاد حكم الله إلى أرض أفغانستان بصورته الأصيلة، فلم يحتمل الأعداء ذلك، وتألم بعض الجيران، وحين عجزوا بأنفسهم لجؤوا — كعادتهم — إلى هؤلاء الحمقى.
وفي وقتٍ تمزّق فيه جسد الأمة، وتحولت فلسطين إلى جحيم، وتعلّقت أنظار المسلمين بالإمارة الإسلامية أملًا في الوحدة، يلعب هؤلاء التعساء بأيدي الأجانب ويطعنون الإمارة. ولو أرادوا نفع الإسلام والمسلمين، لكان ميدانهم أرض فلسطين، حيث الجهاد الحقّ وإنقاذ المستضعفين؛ لكنهم أقسموا العداء للإسلام والمسلمين، فصبّوا كل بطشهم على الفقراء الأبرياء.
