الأساس الخفي الحقيقي لحرب باكستان

أحمد الله مهاجر

في ظلّ الأوضاع التي تسودها أجواء الحرب والعنف، ينشغل كثير من الناس بالمظاهر السطحية للأحداث، ويُهملون النظر في الأسباب والأهداف الجوهرية الكامنة وراءها. مع أن إدراك العوامل الحقيقية للأحداث يلعب دورًا مهمًا في الحفاظ على المعنويات والوقاية من تأثير الدعاية السلبية.

على أيّ حال، كانت باكستان — كما في بعض مراحل عهد الجمهورية — تظنّ أنه مع وصول النظام الحالي إلى السلطة، فإن أفغانستان ستقع بالكامل تحت سيطرتها بسبب قلة الخبرة وانعدام المهارات الحكومية. كما كانت تتوقع أنها، من خلال الاستفادة من بقايا شخصيات النظام الجمهوري وإثارة الخلافات بينها وبين النظام الجديد، ستُهيّئ بيئة من عدم الاستقرار، وتستفيد من هذا الوضع بجني مليارات الدولارات سنويًا.

وكانوا يعتقدون أن الفساد قد ترسّخ بعمق في البنية السابقة إلى حدّ أن القضاء عليه سيكون خارج قدرة النظام الجديد. غير أن التطورات جاءت على خلاف هذه التقديرات؛ إذ لم يتوقعوا أن يتم إقصاء الفساد والعناصر الفاسدة بسرعة، أو أن تتجه أفغانستان نحو توسيع علاقاتها مع دول المنطقة مثل إيران، وأوزبكستان، وروسيا، ودول آسيا الوسطى. كما لم يكن متوقعًا تقليص الاحتكار التجاري، أو إغلاق الحدود عند الحاجة، أو توجّه السياسة الخارجية نحو بناء علاقات مع روسيا والصين وحتى الهند.

ومن جهة أخرى، فإن تفعيل بعض السفارات في عدد من الدول، ومحاولات توسيع التجارة مع دول مثل بنغلاديش، وإنشاء المصانع المحلية، وتعزيز الإنتاج الداخلي، والسير نحو الاكتفاء الذاتي الاقتصادي، كانت من التغيرات الأخرى التي جاءت خارج حساباتهم. وكذلك الاهتمام بالبُنى التحتية، وإدارة الموارد المائية، وتطوير الطرق، وبناء القدرات العسكرية، وإعادة هيكلة المنظومة الأمنية، كلّها مؤشرات على مسار مختلف تمامًا عمّا كان متوقعًا في البداية.

وقد أدّت هذه التحولات إلى دخول باكستان في حالة من الارتباك والقلق، إلى حدّ أن كثيرًا من تحركاتها باتت تتّسم بطابع ردّ الفعل والاضطراب بدلًا من التخطيط المنهجي. وهذا يعكس أن المعادلات الإقليمية بدأت تتغيّر خلافًا لتوقعات بعض الأطراف.

في مثل هذه الظروف، تبرز أهمية الحفاظ على الوحدة والتماسك والوعي والصمود بين الناس. فكلّ مجتمع قويّ من داخله، وواعٍ بالظروف المحيطة به، يكون أقل عرضة للتأثر بالتهديدات الخارجية.

وفي الختام، فإن إدراك الأسس الحقيقية للتغيرات، والحفاظ على الوحدة الوطنية، وتعزيز روح الصمود، تمثّل عوامل أساسية يمكن أن تحفظ تماسك الأمة في مواجهة الضغوط الخارجية.

فمن دون الوعي والتضامن، تبقى أيّ جماعة عرضة للدعاية والأزمات؛ أمّا بوجود البصيرة والوحدة، فإن طريق المستقبل يمكن أن يُسلك بثقة واطمئنان أكبر.

Exit mobile version