5- الاستعمار، والعلمانية، والغزو الفكري
كان الاستعمار، الذي قادته الدول الغربية ضد الدول الضعيفة وبالأخص الدول الإسلامية، أخطرَ وأعمقَ وأشدَّ الهجمات التاريخية والثقافية والاقتصادية والدينية تدميرًا. وقد سعى هذا المشروع، بأشكال متعددة، إلى توجيه الأفق الفكري للشعوب المستعمَرة، وكذلك قدراتها العسكرية والاقتصادية والدينية والثقافية، نحو أهدافه، وتطويعها بما يتوافق مع مصالحه ورغباته.
وقد خلّف هذا الغزو آثارًا بالغة السوء في البلدان المستعمَرة، ستبقى بصماتها ونتائجها ماثلة في حياة هذه الشعوب لسنواتٍ بل لقرون طويلة. وفي الحقيقة يُعدّ تغلغل الاستعمار والعلمانية في المجتمعات الإسلامية من أبرز أسباب تراجع المسلمين وانحطاطهم في العصر الحديث.
دخل المستعمِرون في البداية إلى البلدان الإسلامية تحت شعارات وأهداف اقتصادية، لكنهم مع مرور الزمن كشفوا عن مقاصدهم الاستعمارية الحقيقية. كما وجدت العلمانية طريقها إلى العالم الإسلامي في بداياتها عبر الطلاب الذين سافروا إلى أوروبا وغيرها من البلدان من أجل التعليم العالي.
وخلال القرن الماضي، بذل المستعمِرون والعلمانيون جهودًا مكثفة لعرقلة نهضة الأمة الإسلامية وإيقاظها. وبالدعم الشامل من الغرب، قاموا بزرع أدواتهم وأتباعهم في المناصب الحكومية الحساسة في الدول الإسلامية، ولم يسمحوا بوصول القيادات المخلصة والمتدينة إلى سدة الحكم. وفي الوقت نفسه، سعى العلمانيون ولا يزالون إلى إخراج الإسلام من المجتمع والدولة، وحصره في إطار الحياة الفردية فقط.
كما يُعدّ الغزو الفكري أحد أخطر أدوات الاستعمار الحديث وأكثرها نعومة وخفاءً؛ إذ يستهدف عقائد الشعوب وقيمها وهويتها الفكرية من دون الحاجة إلى غزو عسكري مباشر. وفي هذا النوع من الغزو تُستَخدم وسائل الإعلام، والنظم التعليمية، وثقافة الاستهلاك، والمنتجات الفكرية المستوردة، بهدف فصل الأجيال تدريجيًا عن جذورها الدينية والثقافية.
وقد كانت الدول الإسلامية، ولا سيما عندما تسير في طريق التقدم والقوة والاستقلال، عرضةً دائمة لهجمات وضغوط الدول الغربية والعالم الكافر. فهذه الاعتداءات تارةً تكون مادية وعسكرية عبر الجيوش، وتارةً أخرى تتخذ طابعًا مختلفًا، حيث تقوم الدول الكافرة، بتغيير الأساليب والتكتيكات، باحتلال الدول الإسلامية تحت شعارات براقة مضلِّلة مثل «الخير» و«التحضر» و«الاستعمار الناعم».
وفي الحقيقة، يُعدّ الاستعمار من أخطر وأمرّ وسائل احتلال الدول، إذ إن آثاره السلبية تمتد لسنوات وقرون، وتُلقي بظلالها الثقيلة على أجيال متعاقبة من الشعوب المستعمَرة، وتُبقيها خاضعة لتأثيره.
كان الاستعمار في الماضي ذا طابع عسكري واقتصادي في الغالب، أما في العصر الحديث فقد اتخذ طابعًا فكريًا وثقافيًا. ويسعى المستعمِرون، من خلال الترويج لمرجعيات فكرية غربية، إلى خلق ارتباط ذهني هو أخطر من احتلال الأرض، لأنه يُضعف إرادة الشعوب واستقلالها الفكري من الداخل.
كما يُروَّج للغزو الفكري ضمن إطار العلمانية، التي تُعدّ أحد مفاهيمه الأساسية؛ إذ تقوم على فصل الدين عن الحياة الاجتماعية والسياسية والعلمية، وحصر دوره في المجال الفردي فقط. وقد تأثر بهذا الغزو حتى بعض المسلمين الذين يكتفون بالانتماء الاسمي للإسلام، ويظنون أن الإسلام مجرد منظومة مرتبطة بالمسجد لا غير.
وأمام هذه التحديات، فإن نشر الوعي الفكري، وتعزيز النظام التعليمي على أساس القيم الإسلامية، ومراجعة الأفكار الوافدة مراجعة نقدية، تُعدّ من أهم وسائل مواجهة الغزو الفكري وآثار الاستعمار. كما أن الحفاظ على الهوية الدينية والثقافية مرتبط بالاهتمام الدائم من الجيل الواعي في المجتمع، وبالجهود العلمية والفكرية المتواصلة.


















































