لقد أظهرت التطورات الأخيرة في المنطقة، ولا سيما فيما يتعلق بالاستقرار الجيوسياسي لأفغانستان، أن العملية العسكرية الناجحة والاستثنائية التي نُفذت يوم أمس لم تكن مجرد رد تكتيكي عابر أو حلقة أخرى في سلسلة النزاعات الحدودية، بل كانت تجسيدا لتحول كبير وعميق وجوهري في الرؤية العسكرية والسياسية لكابول.
وعلى الرغم من أن الجنرالات المتجاوزين في النظام العسكري، وفقا للخطة المرسومة لهم، دأبوا طوال فترة طويلة على شن هجمات إجرامية على أرضنا الطاهرة والإسلامية، أسفرت عن استشهاد أعداد كبيرة من المدنيين، والأطفال الأبرياء، والنساء العفيفات، فضلا عن تدمير المنشآت العامة، فإن السياسة الخارجية والأمنية للإمارة الإسلامية، القائمة على الصبر والحكمة ومراعاة مبادئ حسن الجوار، دفعت إلى تفضيل اللجوء إلى الوسائل الدبلوماسية في التعامل مع مختلف التحركات والتطورات حتى الآن.
غير أن عمليات الأمس أثبتت أن أحدا لم يعد قادرا على استغلال صبر كابول وسعة صدرها، كما أن أحدا لا يملك الحق في تفسير قرارات الإمارة الإسلامية الحكيمة على أنها تعبير عن الخوف أو العجز، ذلك أن العقيدة الدفاعية السابقة قد تبدلت بصورة كاملة. فالموقف الأمني الجديد يقوم على أن الإمارة لم تعد تنتظر هجوم العدو أو تهديداته، بل ستعمل على كشف أي تهديد محتمل أو استخباراتي قبل تبلوره، وستبادر إلى إحباطه وهو في مهده. ويشكل هذا التوجه الجديد والحاسم رسالة صارمة ومفصلية، تحمل في طياتها تغييرا في قواعد اللعبة، موجهة بصورة مباشرة إلى باكستان وإلى فتنة داعش التي تتلقى الرعاية والتدريب تحت مظلتها.
وفي ضوء هذا التحول الجديد، يتعين إدراك حقيقة مفادها أن هجوم الأمس لم يكن انتقاما محدودا أو انفعاليا أو مجرد رد فعل على أحداث سابقة، إذ لو كان كذلك لانتهى عقب توجيه ضربة محددة. أما الحقيقة فهي أن هذه العمليات تمثل، في جوهرها، الإعلان الرسمي عن بدء حملة منظمة ومخطط لها ومستمرة، تستهدف اجتثاث جذور جميع التهديدات الماثلة في وجه الأرض الأفغانية الإسلامية المقدسة.
نحن اليوم في مرحلة هجومية جديدة تتولى فيها الإمارة الإسلامية زمام المبادرة وإدارة المعركة بيدها، وستتواصل هذه الحملة الهجومية بصورة متكررة ضد جميع مراكز تمويل العدو وتجهيزه وتدريبه، إلى أن يتم القضاء بصورة كاملة على كل خطر محتمل يهدد استقرار أفغانستان وأمنها.
ولتنفيذ مثل هذه الاستراتيجية الهجومية الكبرى والحاسمة بطبيعة الحال، كان لا بد من توافر مستوى عال من الجاهزية العسكرية والتفوق التقني، وقد جاءت عمليات الأمس شاهدا جليا على ذلك، إذ أظهرت القدرات التكنولوجية والاستخباراتية الاستثنائية لقوات الإمارة
إن استهداف أهداف استخباراتية جديدة وخفية في عمق دولة مجاورة طالما تباهت بتفوق استثنائي في منظوماتها الرادارية الحديثة وشبكاتها المتطورة للدفاع الجوي، يعد إنجازا عسكريا لافتا بكل المقاييس. فقد تمكنت قوات الإمارة الإسلامية من إدارة العملية بواسطة طائرات مسيّرة حديثة بكفاءة عالية ودقة بالغة وبصورة بالغة السرية، إلى حد أن أكثر الشبكات الدفاعية الباكستانية كلفة وتطورا عجزت عن رصدها أو اكتشافها، الأمر الذي أدى إلى مباغتة الخصم على نحو لم يكن يتوقعه. هذا الانتصار وإخفاق المنظومات الدفاعية للعدو التي طالما تباهى بهار يستحق الإشادة والثناء.
وخلاصة القول إن عمليات الأمس كشفت بصورة قاطعة حقيقة مفادها أن أفغانستان اليوم، بما تمتلكه من قوة وتنظيم، ليست ذلك البلد المضطرب الذي عرفته العقود الماضية، وعلى مشغلي الحروب الاستخباراتية في المنطقة أن يستفيقوا، فالنظام القائم يمتلك إرادة راسخة في صون وحدة أراضيه وحماية أمن شعبه، كما يمتلك في الوقت ذاته الوسائل العسكرية المتطورة وسواعد القدرات الهجومية
فإن هذا الهجوم لم يكن سوى الإرهاصة الأولى لعواصف أكبر التي تقوض ركائز الاستقرار لدى أعداء أفغانستان في المستقبل. ولذلك فإن السبيل الوحيد أمام دول المنطقة لضمان أمنها واستقرارها يتمثل في الالتزام الصادق بمبادئ حسن الجوار، والكف عن أي شكل من أشكال الدعم، المعلن منه أو الخفي لفتنة داعش.


















































