في الحقيقة، وعلى امتداد الأزمنة والعصور الماضية، نلاحظ في صفحات التاريخ ظهور جماعات كبرى وقوى عظمى، نمت وتطوّرت، وأمسكت بزمام الأمور لفترة من الزمن.
وفي هذا السياق، يبادر بعض الأشخاص بعجلة، ومن دون مراعاة البيئة الاجتماعية والفكرية والسياسية التي وُلدت فيها هذه الفكرة أو الحركة، إلى الكتابة وإمساك القلم، فينتجون مواد لا تنسجم مع معايير البحث العلمي ولا تحمل قيمة معرفية حقيقية، بل تصبح هذه الكتابات نفسها سببًا لأزمة هوية وأزمة بحثية.
وعلى الوجه الآخر من العملة، هناك من اختار طريق الصمت، وترك هذا الفصل من التاريخ مطويًا بلا قول ولا بيان. وفي مثل هذه الظروف، يصبح من الواجب على كل مسلم وكل صاحب قلم أن يُحلّل الواقع تحليلًا صحيحًا، وأن يدرسه ويقيّمه على أساس الوقائع الموضوعية لذلك الزمن.
لقد كشفت أيديولوجية داعش عن وجهها في وقت محدد، وأعلنت عن ظهورها، في مرحلة تركت عددًا كبيرًا من الكتّاب والمحللين في حالة من الذهول والحيرة، إذ كان ظهورها وصعودها سريعًا إلى درجة أدهشت الجميع. وفي الحقيقة، كان أحد العوامل التي أكسبت هذا التنظيم دعم شريحة من الشباب هو السرعة الكبيرة في تمدده وصعوده.
وبناءً على الدراسات التي أجريناها، والرؤية التحليلية التي اعتمدناها في قراءة كتابات الباحثين، توصلنا إلى أن هذا المسار دخل عالم السياسة والاقتصاد من منطلق فكري إمبريالي في جوهره، حيث نُسج في بنيته الفكرية استغلال الاقتصادات واحتلال الأراضي والمناطق بأسلوب محكم ومدروس.
وعليه، إذا أردنا النظر إلى هذا التنظيم من زاوية التحليل والبحث العلمي، فعلينا دراسة عوامل نشأته وأسباب قيامه، وكذلك عوامل سقوطه، ودوافع العنف والتطرف لديه، لنفهم كيف تحولت هذه الفكرة إلى مسار عملي، وكيف استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة أن تفرض نفسها على البيئة الإقليمية، وما الذي أدى في النهاية إلى مواجهة هذه الإمبراطورية المنفلتة بالهزيمة وانكسارها.
ومن هنا، وفي سياق هذا النقاش، سنتناول عوامل التطرف لدى هذا التنظيم، وبالتوازي مع دراسة هذه العوامل، سنولي اهتمامًا بماهية هذه الأيديولوجية وجوهرها الفكري الحقيقي.
وسنبحث في الأسباب التي أدت إلى تطرف هذا المسار وممارسته للعنف. وهنا ينبغي التنبيه بجدية إلى أن لكل معلول سببًا، ولا يجوز الاكتفاء بالنظر إلى المظاهر السطحية لأي حدث، بل لا بد من التعمق في العوامل الكامنة خلفه. أي إن من الضروري دراسة كل ظاهرة دراسة دقيقة وشاملة، تتناول السبب والنتيجة معًا.
وفي الواقع، فإن التطرف والعنف ظاهرتان إنسانيتان وعالميتان، ولا ترتبطان بدين معين أو أيديولوجية محددة أو قومية أو أمة بعينها.
أما ربط تنظيم داعش وسائر الحركات المشابهة لعنفها بقراءة خاصة للدين، فهو ناتج عن فهم قاصر وجهل بحقيقة التعاليم الدينية.
لذلك، إذا أردنا دراسة عوامل التطرف في هذا المسار المنحرف، فلا بد من تناولها على مستويين: الفردي والجماعي، على النحو الآتي:
1- العوامل الذاتية (العوامل الداخلية)، مثل التعصب والدوغمائية (ضيق الأفق).
2- العوامل الموضوعية (البنيوية)، مثل وجود الظلم والاستبداد.
فهذه العوامل، في الحقيقة، تفتح منافذ لتسلل بقية أسباب التطرف والعنف؛ أي متى ما وُجدت هذه العناصر في جماعة أو حركة ما، فإن الطريق يصبح ممهّدًا وسهلًا لظهور عوامل التطرف الأخرى.
وبعبارة أخرى، فإن هذه العوامل تُسرّع وتُهيّئ عملية نشوء بقية أسباب التطرف وانتشارها.



















































