قدِّم الدين على كل شيء، ولا تتهاون في تطبيقه
كان جميع قادة الدولة العثمانية، قبل السلطان محمد الفاتح وبعده، يُربَّون تربيةً إسلاميةً خاصة. وكان يُولى اهتمامٌ كبير بأن لا تنحرف عقيدتهم عن الطريق الصحيح، وأن تُقدَّم أهداف العقيدة السليمة على غيرها. وكانت ثمرة هذه التربية أن نشأ قادة الدولة العثمانية في خضمّ الحروب الدينية الصعبة.
عندما كان العثمانيون يعلنون الحرب ويدعون الناس إلى الجهاد في سبيل الله، كانت تتردد على ألسنتهم هذه الكلمات الجميلة:
«تعالوا إلى الفتوحات، فإمّا أن تكونوا غزاة أو شهداء».
وفي كل مكان كان يحكمه العثمانيون، كان يُمنح الحاكم لقب غازي، أي المجاهد في سبيل الله. وكان هذا اللقب أسمى من جميع ألقابهم الأخرى، وله مكانة رفيعة بين أعظم الدول. وكانت الغاية الكبرى للدولة العثمانية هي الدفاع عن الإسلام ورفع رايته في أنحاء العالم.
ولهذا السبب، كانت الدولة بأكملها متلوّنة بالصبغة الإسلامية؛ سواء عامة الناس أو خاصتهم، أعضاء الدولة أو الجيش، الثقافة أو القانون، المظهر الخارجي أو الجوهر الباطني، فقد كان الطابع الإسلامي واضحًا في كل جانب. ولم يكن هذا الأمر لسنوات قليلة فحسب، بل ظلّت الدولة العثمانية ثابتة على هذا النهج الإسلامي طوال سبعة قرون.
كان السلاطين العثمانيون يقدّمون الدين على كل شيء، وكان كل سلطان يولي هذا الجانب اهتمامًا خاصًا، ويبذل جهده لإيصال الشؤون الدينية إلى كل ركن من أركان البلاد. وكانوا يؤكدون أن هويتهم الحقيقية هي الإسلام، وأن ميراثهم وثقافتهم قائمة عليه. وفي كل موطن للمسلمين، كان يُطبَّق منهجٌ منظم في المدارس والمساجد والمؤسسات التعليمية لخدمة الأمة الإسلامية جمعاء، وهدفهم من ذلك أن يعي شباب المسلمين هذه الحقيقة: أننا مسلمون، وأن مستقبلنا مرتبط بالإسلام وحده، وأن حياتنا ومماتنا يجب أن يكونا من أجل الإسلام فقط.
وفي المدارس الصغيرة، كانت تُغرس في عقول الأطفال عقيدة أننا مسلمون. بل حتى عند تسجيل المولود في الوثائق الرسمية، لم يكن يُذكر أي انتماء قومي، وإنما يُكتب فقط: «مسلم». وكذلك في بطاقة الهوية، لم يكن يُدرج سوى وصف «مسلم»، ولم تكن تُقبل هوية أخرى غير ذلك.
وكان العثمانيون يتجنبون التمييز بين الأتراك والعرب والشركس والألبان والأكراد وغيرهم من القوميات. فقد كان سعي الدولة العثمانية أن تجمع الناس داخل دولتهم على دينٍ واحد، وهو الإسلام. وكانوا يرون أن أعظم فخر للإنسان هو أن يُسمّى مسلمًا.
وكان العثمانيون يعدّون كل غازي بطلًا إذا أظهر شجاعته في سبيل الله، وكانوا يخلّدون هؤلاء الأبطال في السطور الذهبية من التاريخ؛ لأنهم كانوا يرون أن جميع المسلمين إخوة، وإن اختلفت أنسابهم.
ومن أبطال العثمانيين اسم عبد الله البطّال، الذي استُشهد في معركة أكرنيون في آسيا الصغرى سنة (122هـ) في العصر الأموي. وقد ذكر الإمام الطبري أحداث سنة (122هـ) وقال عنه:
«وفي هذه المعركة استُشهد عبد الله البطّال من المسلمين في أرض الروم».
وكان العثمانيون يعدّون عبد الله البطّال بطلًا لهم، رغم أنه عربي النسب، في حين أن الدولة العثمانية قامت في القرن السابع الهجري. وكان أبطال العثمانيين هم أبطال الإسلام والمجاهدين الحقيقيين في التاريخ.
وكان سلاطين الدولة العثمانية يُعرفون بألقاب وصفات تدل على أن أعظم أهدافهم هو خدمة الإسلام، ومن هذه الألقاب:
سلطان الغزاة، سلطان المجاهدين، خادم الحرمين الشريفين، خليفة المسلمين.
ولا تُصاحب ولا تخدم من لا يلتزمون بأمور الدين، ولا يجتنبون الكبائر، ويقعون في المنكرات.


















































