أهم الأحداث والحروب
في التاريخ الإسلامي كان ظهور الخوارج مصحوبًا بعدة أحداث مؤسفة تركت أثرًا عميقًا في التحولات اللاحقة. من أوائل وأهم هذه الأحداث كانت معركة صفين في سنة 37 هـ، التي دارت بين جيوش الإمام عليّ كرّم الله وجهه ومعاوية رضي الله عنهما. عندما توقفت المعركة طُرِح اقتراح الحكم بآياتٍ من القرآن الكريم عبر رفع الرماح، ومع أن هذا الإجراء كان هدفه إنهاء سيل الدماء، إلا أنه صار ذريعة لاحتجاج مجموعة من المقاتلين الذين عُرفوا لاحقًا بالخوارج.
هذه الجماعة التي سُمّيت في البداية بـ”الحرورية” تجمعت في منطقة حرّورا ووقفت معارضةً بقوة لمسألة التحكيم. كانوا يردّدون شعار «لا حكم إلا لله» ويرفضون أي حكم بشري، مؤمنين أن الحكم لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى. هذا التفكير —الذي كان نتيجة قراءة سطحية للنصوص الدينية— أدى تدريجيًا إلى بروز هوية مستقلة لتلك الفرقة.
حدث حاسم آخر كان معركة نهروان التي وقعت في سنة 38 هـ، إذ كان لعدد الخوارج وقتها الآلاف، وقد شنّوا هجمات على مناطق مختلفة وجرّعوا الناس ظلمًا، وكانوا يَتكفّرون المسلمين، ويعتبرون أنفسهم الممثلين الحقيقيين للإسلام ولا يقبلون أي معارضة.
اضطرّ الإمام عليّ كرّم الله وجهه إلى قتالهم حفاظًا على الأمن العام ومنعًا لسكب الدماء. ومع أن معركة نهروان أدت إلى هزيمة عسكرية للخوارج، إلا أنها لم تُقضِ تمامًا على أفكارهم؛ فالباقون تفرقوا إلى مناطق مختلفة واستمرّوا في حمل أفكارهم.
واحدة من النتائج المهمة لهذه الحروب كانت تمكّن خطاب التكفير. بعد نهروان تصاعدت ممارسات الخوارج في التطرف والعنف، بل حاولوا قتل شخصيات إسلامية بارزة؛ ونتيجةً لذلك كان اغتيال الإمام عليّ على يد عبد الرحمن بن ملجم إحدى ثمار هذا العنف المتوحش.
تبيّن هذه الوقائع كيف يتحول خلاف أوليّ تدريجيًا إلى أزمة كبرى. الخوارج، الذين بدأوا كجماعة صغيرة من المحتجين، تطوّروا مع الوقت إلى حركة هدّدت أمن المجتمع الإسلامي. دراسة هذه الأحداث تعلّمنا كيف يجب أن نتعامل مع ظواهر مشابهة في العصر المعاصر لتجنّب تكرار الأخطاء التاريخية.
بعد حرب نهروان بقي الخوارج كحركة سرية، أقاموا قواعد في مناطق نائية وحدودية مثل الأحواز وكرمان وسيستان، واستمرّوا في شنّ هجمات، ومع هذا الامتداد الجغرافي ظهرت فروع متعدّدة منهم مثل الأزرَقَة والنَّجَدَة والصَفْرِيَّة، ومع أن هناك فروقات نظرية وعمليّة بين هذه الفروع، فإنها جميعًا التزمت بالأسس الجوهرية للخوارج.
على مرّ التاريخ قام الخوارج مرات عديدة بالتمرد ضدّ الحكومات المركزية؛ من أشهر ثوراتهم كانت في البصرة بقيادة أَبِي بِلَال المِرداس بن أُذَيْيَة وفي الأحواز بقيادة نافع بن الأزرق. ورغم أن هذه الانتفاضات كانت تُقضَى عليها بالسقوط، إلا أنها أظهرت أن فكرة «الخوارجية» لم تُمحَ كليًا؛ فاحتجاجاتهم كانت غالبًا تعتمد على هجمات مفاجِئة على المدن بدل الاعتماد على تكتيكات حرب منظمة.
التركة الفكرية للخوارج استمرت في الوجود داخل العالم الإسلامي. لقد ورّثوا سمات ثلاثة: السذاجة الدينية (تفسير مبسّط ومتطرّف للنصوص)، التكفير الواسع للآخر، والتمرد ضدّ الحكّام. هذه السمات انتقلت من الخوارج الأوائل إلى أجيال لاحقة من الجماعات المتطرّفة في العصر الحديث، مبيّنة كيف أن فكرة ما قادرة عبر الزمن على إعادة إنتاج نفسها وظهور بصيغ جديدة.


















































