أحمد یحیی
ملحمة المقاومة
تحرق نيران الاحتلال البيوت، ويزيد صمت العالم الخانق من وطأة الاختناق؛ لكن القوة التي تقف وسط كل ذلك كعمود لا ينكسر هي ملحمة المقاومة. فالمقاومة في غزة ليست مجرد استراتيجية عسكرية، بل هي روح جماعية، وخيار وجودي لشعب اختار الموت بعزة على حياة الذل.
لقد غرست المقاومة جذورها في عمق تاريخ النضال الفلسطيني، واتخذت طابعًا أسطوريًا وملحميًا في مواجهة واحد من أكثر الجيوش تجهيزًا في العالم. فما يجري في غزة هو حرب غير متكافئة يخوضها مقاتلون شجعان بإمكانات محدودة في وجه قوة مسلحة حتى الأسنان؛ إنها مواجهة بين الإرادة والسلاح المتطور.
قد يُختزل مفهوم المقاومة للوهلة الأولى في العمليات العسكرية والصواريخ البسيطة المنطلقة من بين الركام، لكن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير. فالمقاومة قبل كل شيء تبني حصنًا نفسيًا؛ حصنًا يقتلع الخوف من قلوب أناس يواجهون الموت كل يوم. وهذا التجرّد من الخوف هو بحد ذاته أعظم انتصار على آلة الحرب الصهيونية، تلك التي تسعى إلى كسر الإرادة عبر بث الرعب والهيبة.
المقاومة هي فن تحويل الضعف إلى قوة؛ فعندما يهيمن العدو على الجو والبحر والبر، تنقل المقاومة ساحة المعركة إلى أعماق الأنفاق، والأزقة الضيقة، وقلب مستوطنات الاحتلال؛ حيث تفقد التكنولوجيا المتفوقة تأثيرها، وتتحول المعركة إلى اختبار للشجاعة والتضحية ونكران الذات.
ولا يقتصر نشاط قوى المقاومة على ردٍّ دفاعي، بل يقوم على المبادرة والضربات المفاجئة. فقد تعلّموا كيف يستخرجون أقصى تأثير من أقل الموارد في ظل الحصار وشحّ الإمكانات. فكل صاروخ بسيط يُطلق من غزة ليس مجرد انفجار، بل هو صرخة إنسان محاصر تصل إلى آذان العالم. وكل عملية مباغتة ليست مجرد اشتباك عسكري، بل كسرٌ لهيبة العدو الزائفة وصورة “الجيش الذي لا يُقهر”، وتأكيد لأبناء الأرض المحتلة أن الاستسلام ليس الخيار الوحيد.
ولا بد من الإقرار بأن روح المقاومة أعظم قيمة من الفعل ذاته. فهي تنبع من إيمان راسخ بعدالة الطريق وباستمرار النضال حتى النصر. هذا الإيمان أنشأ جيلًا لا يرتجف أمام القنابل، بل يقيم مدارس مؤقتة بين الأنقاض ويواصل الحياة.
لقد غدت المقاومة أسلوب حياة؛ من الطبيب الذي يضحي بنفسه لإنقاذ الناس في مستشفى عاجز، إلى الطفل الذي يرفع حجر بيته المهدّم كأنه راية. إنها روح فريدة، تنتقل من الفرد إلى المجتمع، وتشكل شبكة متماسكة يصعب كسرها أكثر من صعوبة تدمير المدن ماديًا.
وفي الختام، فإن ملحمة المقاومة في غزة هي رواية انتصار الحق على الباطل، والمعنى على العبث. ففي عالمٍ يصمت أحيانًا ويقع أحيانًا أخرى في قبضة الحسابات السياسية الباردة، تذكّر المقاومة الفلسطينية جميع المظلومين بأن حتى الشعوب الصغيرة قادرة على صناعة التاريخ في مواجهة أعتى الآلات الحربية، وأن تمنح العالم درسًا في العظمة. إنها نار لا تضيء غزة وحدها، بل تنير ضمير الإنسانية؛ نار لا يستطيع إخمادها بطشُ النظام الصهيوني ولا صمتُ العالم.
