سياسة التحمل لدى الإمارة الإسلامية وجذور الأزمة في باكستان!

أجمل فرحان

اعتمدت الإمارة الإسلامية في أفغانستان، منذ بدايتها وحتى اليوم، ضمن إطار الشريعة الإسلامية، سياسةً تقوم على مبادئ الحرية والاحترام المتبادل وعدم التدخل. فلم تتدخل الإمارة في الشؤون الداخلية لأي دولة، كما لم تسمح لأي جهة بانتهاك سيادة أفغانستان أو المساس بحدودها. وانطلاقًا من هذا المبدأ، سعت دائمًا إلى حل النزاعات والخلافات عبر الحوار والتفاهم، إيمانًا بأن الاستقرار الدائم لا يتحقق بالحرب، بل بالتعاطي العقلاني والتفاهم المشترك.
وجاءت المفاوضات الأخيرة بين أفغانستان وباكستان امتدادًا لهذه السياسة، وقد أظهرت الإمارة الإسلامية عمليًا التزامها بحل المشكلات، إذ تجنبت أي استفزاز أو حوادث على طول الخط الحدودي المفترض، ورجعت إلى العلماء لطرح حلول منسجمة مع الأصول الشرعية، كما نظمت أوضاع اللاجئين القبائليين بطريقة منضبطة حتى لا يُستغل وجودهم ذريعةً لزعزعة الأمن. وهذه الإجراءات تدل بوضوح على أن الإمارة لم تكتفِ بالتصريحات، بل اتخذت خطوات عملية على أرض الواقع.
في المقابل، فإن الدوائر العسكرية المتشددة والمرتبطة بالمصالح داخل النظام الباكستاني، والتي ظلّت لسنوات مهيمنة على المشهد السياسي، لا تبدو راغبة في حل سلمي للمشكلات. وتعود جذور حالة عدم الاستقرار في باكستان إلى حدّ كبير إلى السياسات التي اتُّبعت في عهد الجنرال برويز مشرف، حين تعاونت باكستان في احتلال أفغانستان ونفذت عمليات عسكرية واسعة في المناطق القبائلية، وتعرضت تلك المناطق لضربات بطائرات دون طيار، ما أدى إلى تهجير آلاف الأسر ومقتل أو اختفاء عدد كبير من الشباب، ولا تزال الآثار الاجتماعية والأمنية لتلك السياسات ماثلة حتى اليوم.
ولا يزال الجيش الباكستاني يواجه تحديات داخلية متعددة، منها الخلافات السياسية، والصراع على السلطة، وقمع المعارضين، والأزمة الاقتصادية التي تؤثر في المشهد السياسي العام. وغالبًا ما تلجأ الأنظمة التي تعاني من إخفاقات داخلية إلى توجيه الاتهامات للخارج أو افتعال أزمات لصرف أنظار الرأي العام. ويبدو أن اتهام أفغانستان أو إثارة التوترات الحدودية يأتي في هذا السياق.

إن انتهاك الأجواء الأفغانية، واستهداف المدنيين، والإساءة إلى القيم الدينية، هي ممارسات تتعارض ليس فقط مع مبادئ حسن الجوار، بل أيضًا مع القيم الإسلامية والأعراف الدولية. وقد ردّت الإمارة الإسلامية في بعض الحالات بحزم، لكنها في معظم الأحيان أبدت صبرًا حفاظًا على مسار الحوار ومنعًا لتوسع دائرة العنف، وهذا السلوك لا يعكس ضعفًا، بل يدل على نضج سياسي وإحساس بالمسؤولية.

ومع ذلك، فإن للصبر حدودًا. فقد أثبت الشعب الأفغاني عبر تاريخه أنه دافع دائمًا عن سيادته وكرامته. ورغم أن الإمارة الإسلامية تفضل طريق السلام والحوار، فإنها لن تتهاون في حماية أمن البلاد وسلامة مواطنيها. وإذا أصرّ الطرف الآخر على مواصلة التصعيد، فمن الطبيعي أن يتحمل تبعات أفعاله.

وخلاصة القول إن موقف الإمارة الإسلامية واضح: حلّ المشكلات عبر التفاوض، والحفاظ على الاحترام المتبادل، وصون سيادة كل دولة. فإذا التُزم بهذه المبادئ أمكن تحقيق الاستقرار؛ أما إذا فُرضت الحرب أو سياسة الضغط، فإن التاريخ يعلّم أن الأفغان سيدافعون عن حقوقهم. لقد قدمت الإمارة الإسلامية حتى الآن نموذجًا في الصبر والحكمة والمسؤولية السياسية، لكنها ستتخذ، عند الضرورة، القرارات الحاسمة صونًا لكرامة شعبها وأمنه.

Exit mobile version