تقييم النظام القضائي لدى داعش
في الإسلام الحنيف يُعدّ القضاء عمودَ العدالة الاجتماعية وأساسها. فالقرآن الكريم يعتبر القاضي الذي يتولى مسؤولية القضاء في النظام الإسلامي مأمورًا بإقامة القسط والعدل، لا ممثلًا للظلم والاضطهاد. وفي البناء الفكري للإسلام وشريعته الإلهية لا يقتصر العدل على تنفيذ الأحكام فحسب، بل إن صيانة الكرامة الإنسانية جزءٌ لا يتجزأ منه. فالإنسان في الإسلام كائن مكرَّم وصاحب كرامة ذاتية، حتى عندما يكون في موضع الاتهام. ومن المبادئ الأساسية في الفقه الإسلامي أن الأصل هو براءة الإنسان لا افتراض إدانته، وهذا المبدأ يُعد من أهم ركائز العدالة في الإسلام.
وقد أكد النبي محمد ﷺ مرارًا أنه إذا وُجدت أي وسيلة لدرء العقوبة عن المتهم فعلى القاضي أن يأخذ بها. وقد نشأ الفقه الإسلامي على أساس الدقة والاحتياط والخوف الشديد من إراقة الدماء بغير حق، حتى قيل: «درء الحدود بالشبهات خير من إقامتها مع الخطأ»؛ أي إن وجود الشك أو الشبهة يؤدي إلى سقوط العقوبة، لأن حياة الإنسان أعظم قيمة من السلطة والقوة.
كما يشترط في القاضي في النظام القضائي الإسلامي أن يكون عالمًا، عادلًا، مستقلًا، شجاعًا في مواجهة السلطة. فهو ليس أداةً بيد الحاكم، ولا موظفًا للانتقام. والقاضي المؤمن مسؤول عن إنصاف المظلوم ومنع الظلم، حتى لو كان الظالم هو الحاكم نفسه. فالغاية من القضاء في الإسلام إصلاح المجتمع لا تخويف الناس؛ إذ إن العدالة جاءت ليشعر الناس بالأمن، لا ليعيشوا في الرعب واللاطمأنينة.
غير أن ما تقدّمه داعش تحت اسم «المحاكم الشرعية» يقف في تناقضٍ كامل مع هذا المنطق الرحماني. فالنظام القضائي لدى داعش لا يقوم على العدالة، بل على العنف الأيديولوجي. ففي هذا النظام لا يكون القاضي فقيهًا مستقلًا ولا عالمًا مجتهدًا، بل عضوًا مواليًا لما يسمّى بخلافتهم المعلَنة ذاتيًا، مكلفًا بتنفيذ الأوامر السياسية والعسكرية. وفي هذا النظام الدموي يكون الحكم قد صدر قبل المحاكمة، وتتحول المحكمة إلى مسرحٍ لاستعراض القوة لا ميدانًا للبحث عن الحقيقة.
وفي النظام القضائي لداعش تُضحّى العدالة لأجل السياسة. فالجريمة لا تُعرَّف على أساس الفعل الحقيقي، بل على أساس التصنيف الفكري. فإذا خالف شخصٌ داعش في الرأي وُضع فورًا في أحد هذه القوالب: مرتد، منافق، جاسوس، مفسد. وهذه المفاهيم الدينية التي تحمل في القرآن الكريم دلالات أخلاقية عميقة ومعاني دقيقة تحولت في نظام داعش إلى أدواتٍ لقتل الأبرياء.
فداعش بدلًا من التحقيق في الجرائم تنتزع الاعترافات بالقوة، وبدلًا من الأدلة والبراهين تعتمد على الشائعات، وبدلًا من الاستماع إلى دفاع المتهم تصدر أحكام الإعدام. وفي هذا النظام لم يعد الإنسان موضوعًا للعدالة والكرامة الإنسانية، بل أصبح هدفًا للتصفية تحت ظلال الألقاب المحرَّفة. وهنا بالضبط ينحرف القضاء عن مساره الإلهي والإنساني ويتحول إلى أداةٍ للإرهاب والعنف والظلم.
ومن الناحية التحليلية، لا يمكن لداعش أن تمتلك نظامًا قضائيًا حقيقيًا؛ لأن العدالة لا تنسجم مع الشمولية. فالعدالة تعني تقييد السلطة، بينما تسعى داعش إلى السلطة المطلقة. والعدالة تعني الاعتراف بحق الاعتراض، بينما تعتبر داعش كل اعتراض جريمة. والعدالة تعني ضمان المساواة بين الناس، بينما تقسّم داعش العالم إلى «أنصار» و«أعداء»: فأتباعها مهما ارتكبوا من جرائم تُبرَّر أفعالهم، أما الآخرون—even لو كانوا أبرياء ومتدينين ومتمسكين بأحكام الدين—فيُعدّون مجرمين ويُحكم عليهم بالموت لمجرد مخالفتهم.
وفي النظام القضائي لداعش لا يكون القانون معيارًا للحق، بل وسيلةً للهيمنة. والقضاء ليس وسيلةً لإصلاح الإنسان، بل أداةً لإقصاء الخصوم. وهنا يتحول الدين، بدل أن يكون يقظةً لضمير المجتمع، إلى وسيلة لإسكات الضمائر. ومن منظور الفلسفة السياسية، هذه هي اللحظة التي ينفصل فيها الدين عن الأخلاق ويتحول إلى أيديولوجيا للعنف. فداعش من خلال هذا النظام القضائي لا تقيم العدل ولا تطبق الشريعة، بل تخلق نظامًا من الإرهاب قائمًا على الخوف لا على الرضا.
وفي الختام، يمكن القول إن النظام القضائي لداعش ليس إسلاميًا ولا إنسانيًا ولا عقلانيًا. فقد حوّل هذا النظام الدين إلى سلاح، والقاضي إلى جلاد، والشريعة إلى أعواد للمشانق. إن الإسلام المحمدي جاء لإنقاذ الإنسان، أما داعش فتجعل حياة الإنسان أرخص ما يكون باسم الإسلام. وهذا التناقض ليس مجرد خلاف فقهي، بل صراع عميق بين الدين والأيديولوجيا. فداعش ليست خلافة، بل خلافة بلا إسلام، وقضاؤها ليس عدلًا بل عنفٌ وجريمة.


















































