الحالة النفسية للمقامر المهزوم!

أكبر جمال

كل لاعب ذكي في العالم، حين يتعرض لهزائم متتالية ويفقد مديله وتفرغ جيوبه، يتوقف قليلا ويتأمل أخطاءه، ويغير أسلوب لعبه. أما إدمان القمار فهو شقاء يسلب الإنسان نعمة العقل والتدبير.

وحين يرهق المقامر من وطأة الهزائم المتلاحقة، ويستبد به القلق بعد أن يرى أن اللعبة قد أفلتت من يديه، فإنه بدل أن ينسحب منها، يندفع إلى مزيد من التهور والعمى، ويضع رهانا أكبر من ذي قبل، متشبثا بأمل واه بأن تقلبا مفاجئا للحظ قد يعوض جميع خسائره السابقة التي تدعو إلى الاعتبار.

وإذا ما تأملنا بعمق الحالة الذهنية والنفسية للطبقة الحاكمة السياسية والعسكرية في باكستان في الوقت الراهن، بدا حال القيادة العامة للجيش وما يدور في فلكها من دوائر سياسية في إسلام آباد شبيها تمام الشبه بذلك المقامر المهزوم المذعور، الذي يضع اليوم آخر رهاناته على أرواح الأبرياء من شعبي كشمير وأفغانستان، سعيًا إلى إخفاء إخفاقاته الداخلية. ولإدراك حقيقة هذه المغامرة المتهورة، ينبغي الوقوف عند “صناعة الأزمات” التي جرى تنميتها ورعايتها طوال عقود خلف الأبواب المغلقة في روالبندي وإسلام آباد.
حين يظل بلد ما، لسنوات طويلة، أسير الأزمات الاقتصادية، ويقوم اقتصاده على تنفس اصطناعي توفره القروض الدولية، وتتفاقم فيه حالة الاضطراب السياسي يومًا بعد يوم، بينما يمضي أمنه الداخلي نحو الزوال والتدهور، فمن الطبيعي أن يستيقظ الشعب ويبدأ بطرح الأسئلة.

وعندما يخرج الناس إلى الشوارع والأزقة مطالبين بالخبز والمأوى والعمل وحقوقهم القانونية الأساسية، يهتز ذلك النظام الحاكم القائم على دعائم واهنة اهتزازا عنيفا. وفي مثل هذه الظروف، تسعى المؤسسة العسكرية الحاكمة إلى تهدئة غضب الناس وصرف أنظارهم عن المشكلات الحقيقية، فتخرج دائمًا من صندوقها القديم “تهديدًا خارجيًا” مصطنعا ومتخيلا، وتقدمه للجمهور عبر وسائل الإعلام.

ويقال للناس إن قوات معادية للبلاد تقف على الحدود، وإن الهند تستغل الكشميريين لتحقيق أهدافها، وإن أموالًا هندية عثر عليها في منازل قادة كشميريين، وإن أفغانستان بدورها تسعى إلى تغيير النظام في باكستان، وبذلك يصبح أمن البلاد مهددًا بخطر جسيم. ومن ثم ينبغي نسيان الحديث عن الاقتصاد والديمقراطية والحقوق الأساسية، والاصطفاف جميعا خلف الجيش. تلك هي الاستراتيجية القديمة الراسخة التي انتهجها الجيش الباكستاني، والتي مكنته من إخضاع الشعوب البسيطة والمظلومة للتأثير النفسي، وإبقائها أسيرة أجواء الخوف والانفعال.

غير أنه عندما تخرج الأوضاع الداخلية عن السيطرة رغم كل تلك الجهود والحملات الدعائية، وتبدأ أركان النظام بالاهتزاز، تبرز المغامرات العابرة للحدود بوصفها الملاذ الأخير. فالقنابل التي ألقيت على القرى الآمنة في خوست وكونر وبكتيكا لم تكن في حقيقتها جزءًا من خطة دفاعية عميقة ومدروسة، بل جاءت كإجراء متعجل وغير محسوب من نظام عسكري خائف ومضطرب. وكانت تلك بمثابة الجولة الأخيرة التي أريقت فيها دماء الأفغان الأبرياء من نساء وأطفال وغيرهم، قربانا لتحقيق أهداف الجيش الباكستاني.

وكانت وراء هذا السلوك الهجومي والمغامر للجيش الباكستاني غايتان أساسيتان. أولاهما إعادة إحياء المشاعر القومية المصطنعة ذاتها في أذهان الناس داخل البلاد، ودفعهم إلى الاعتقاد بأن الجيش ما زال الحارس الأمين لحدود الدولة. أما الغاية الثانية فتمثلت في توجيه رسالة إلى الداعمين الدوليين والدوائر المؤثرة البعيدة مفادها أن الجيش الباكستاني ما زال لاعبا وحليفا لا يمكن الاستغناء عنه في معادلات الأمن الإقليمي، وأن دوره ما زال يستوجب الاهتمام وعدم التغاضي عنه.
والحقيقة أن أجواء التوتر والعداء المستمر تجاه أفغانستان والهند، التي أوجدها الجيش الباكستاني وحافظ عليها على مدى سنوات، ليست ضرورة جغرافية، وليست استجابة لسنن الطبيعة، كما أنها ليست تعبيرًا عن رؤية سياسية بعيدة المدى، بل هي ثمرة “ضرورة عسكرية” مقصودة ومحسوبة بعناية.

تأملوا قليلا؛ فإذا ترسخ سلام دائم على الحدود غدا، وفُتحت أبواب التجارة مع أفغانستان والهند، وعادت العلاقات إلى مسارها الطبيعي، فأي مبرر سيبقى حينئذ لاستمرار هذا الجيش الضخم، وهذه الموازنة الدفاعية الثقيلة، وهذا النظام الأمني الصارم؟

ولهذا السبب، ومن منظور العقلية العسكرية، يُنظر إلى الإبقاء على عدو دائم ومخيف حاضرا في أذهان الناس ووسائل الإعلام على أنه أمر ضروري للحفاظ على هذا البناء العسكري الواسع والمكلف؛ حتى إن ترتب على استمرار هذا الخوف إلحاق الضرر باقتصاد الشعب نفسه، أو إراقة دماء المسلمين في البلدان المجاورة.

وهنا يتجلى الفارق الجوهري بين قوة عسكرية مهنية ومقامر عادي. فالجيش الحقيقي والمحترف يناضل من أجل المبادئ والقيم الأخلاقية والدفاع عن الوطن، أما المقامر فلا يحرك قطعه إلا خدمة لرغباته الخاصة وسعيا إلى الحفاظ على نفوذه وسلطته.

وعندما تتخلى مؤسسة عسكرية عن نهج الدفاع، وتبدأ بالتعامل مع أرواح الأبرياء كما لو كانت أوراق لعب أو قطع قمار، فإنها تكون قد أقرت بهزيمتها الأخلاقية والاستراتيجية في محكمة ضميرها قبل أن تتلقى الهزيمة في ساحة القتال.

إن السياسات الأخيرة لإسلام آباد وروالبندي ليست دلائل على قوة مؤسستها العسكرية، بل هي المؤشرات الأخيرة لنظام متسلط، مضطرب، ومشوش الذهن، يسعى اليوم إلى ملاحقة أهدافه على حساب دماء الأبرياء، خوفا من انهيار الواقع الذي صنعه بيده.

Exit mobile version