الإسلام دينُ الاعتدال والوسطيّة الجزء الرابع

خيبر جلال

إنَّ الغلوَّ والإفراط في الدِّين يعني أن يتجاوز الإنسانُ الحدَّ الذي رسمته السيرةُ النبويّة، وسيرةُ الصحابةِ الكرام، ونهجُ كبار علماء الأمّة. أمّا التفريط، فهو أن يُهمل المرءُ سيرةَ رسول الله ﷺ وسيرةَ الصحابةِ والعلماء الربّانيين، فيتخلّف عنها ويقصر دونها.

وقد أُشير في الفقرات السابقة إلى أنَّ الاعتدالَ والوسطيّةَ ضرورةٌ لازمة لكلِّ مسلم في شؤون الحياة والعبادة جميعًا؛ لأن الاعتدال خُلُقٌ راسخٌ وسِمةٌ أصيلة ينعكس أثرها على سائر تصرّفات الإنسان وأعماله. ومن هنا تتنوّع صورُ الاعتدال وتتعدّد أنواعه، ومن جملتها ما يأتي:

1. الاعتدال في الدِّين والعقيدة

الاعتدال في الدِّين هو التزامُ الوسطية والتوازن في العقائد والعبادات والأخلاق وسائر الشؤون الدينية، مع اجتناب الإفراط والتفريط؛ بحيث لا يُدفع الدِّين إلى غلوٍّ متشدِّد يجاوز حدوده، ولا يُترك ليسقط في هاوية التهاون واللامبالاة. ومن منظور أهل السُّنّة والجماعة، فإن الاعتدال يتحقّق بالثبات على القرآن العظيم والسُّنّة النبويّة، وفق فَهْم السلف الصالح، مع مراعاة مصالح العباد ومقاصد الشريعة.

وخلاصة القول: إن الاعتدال في العقيدة يقتضي الاحتراز من التكفير بغير ضوابط شرعيّة، ومن الغلوّ في الأشخاص ورفعهم فوق منازلهم. غير أنّ المؤسف في واقعنا اليوم أنّ فِئاتٍ، تحت شعار الإسلام، غاصت في الإفراط والغلوّ حتى لم تَعُد ترى مسلمًا سواها، فبادرت إلى تكفير سائر المسلمين بأدلّةٍ واهية وحُججٍ لا أساس لها من الشرع.
يرى علماءُ الإسلام أنَّ الاعتدال في الدِّين يتحقّق بأن يلتزم الإنسان، عن وعيٍ وبصيرة، بالقرآن العظيم والسُّنّة النبويّة، على وفق فَهْم السلف الصالح، من غير إفراطٍ يُفضي إلى الغلوّ، ولا تفريطٍ يؤدّي إلى التقصير. وهذا الاعتدال ليس مهادنةً للباطل، ولا تطرّفًا وتشدّدًا، بل هو السبيل القويم الذي يحفظ للإسلام حيويّته، ويجعل شريعته صالحةً للتطبيق في كلِّ زمانٍ ومكان.

وقد أثنى القرآن الكريم على الأمّة الإسلاميّة لما اتّصفت به من وسطيّةٍ واعتدال، فقال تعالى:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾
«وكذلك جعلناكم أمةً وسطًا»
[البقرة: 143].

وقال الإمام الطبري رحمه الله: إنَّ معنى «وسط» هو العدل والخيريّة؛ فلا هم أهل إفراطٍ وغلوّ، ولا أهل تقصيرٍ وتفريط.
وقال ابن كثير رحمه الله: إنّ الأمّة الإسلاميّة هي أوسط الأمم في شريعتها ومنهجها.

وكذلك قال الله تعالى في موضعٍ آخر:
﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾
[النساء: 171].
وقد نهى رسولُ الله ﷺ نهيًا صريحًا عن الإفراط والغلوّ والتشدّد، فقال:
«إيّاكم والغلوَّ في الدِّين، فإنّما أهلك مَن كان قبلكم الغلوُّ في الدِّين».

وخلاصة القول: إنَّ من أصول تعاليم الإسلام الراسخة أن يتحلّى المسلم بالاعتدال والوسطيّة في جميع شؤون حياته، وأن يسلك طريق التوازن والاستقامة. أمّا الذين يقعون في الإفراط أو التفريط في هذا السبيل، فإمّا أنهم لم يُحسنوا فَهْم الإسلام فهمًا صحيحًا، وإمّا أنهم قد وقعوا في شراك الشيطان وانساقوا وراء وساوسه.

Exit mobile version