عندما أُسِّسَت في المدينة المنوّرة دولةُ النبوّة على أساس المبادئ الإسلامية، بقيادة رسول الله ﷺ، وُزِّعت منذ ذلك اليوم المسؤوليات والمهام بين الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين في إطار الدولة النبوية لما أن المرحلة مرحلةَ صراعٍ ونزاعات وكانت الدولة النبوية في مواجهة عسكرية مع كفار العالم وطغاته، فقد غلب الطابعُ الجهادي والعسكري على أكثر تلك المهام. فوّضت إلى كثير من الصحابة مسؤوليات مثل قيادةُ السرايا، وحملُ الألوية، وقيادةُ الميمنة والميسرة، وغير ذلك من المسؤوليات المشابهة.
وفي ذلك العصر، كانت من أهمّ المسؤوليات وأشدّها ضرورةً مهمةُ الشِّعر، التي كانت تقوم مقامَ الإعلام والبيان في عصرنا الحاضر. فقد كانت التغطية عن الوقائع الحربية والأنشطة العسكرية في الدولة النبوية، ونشر أخبار الانتصارات، وفضحُ مواطن الضعف لدى المشركين والكفار، وكشفُ أعمالهم الخبيثة، كلُّ ذلك من المهام التي اضطلع بها الصحابي الجليل حسان بن ثابت رضي الله عنه، بلسان الشعر.
وكان رسول الله ﷺ إذا أُريد نشرُ الأخبار الحربية دعا لحسان بن ثابت رضي الله عنه بقوله: للَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُس
كما قال له ﷺ في موضعٍ آخر:
اهْجُهُمْ – أَوْ هَاجِهِمْ – وَجِبْرِيلُ مَعَكَ
وهكذا كان نشرُ انتصارات المسلمين، وبيانُ مثالب الكفار، وإذاعةُ الفتوحات والإنجازات الإسلامية بين الناس من المهام العظيمة في الدولة النبوية، وكانت تُعدّ من أجلّ الأعمال وأعظمها فضلًا.
في العصر الحاضر، تدور منذ ما يقارب سبعين عامًا معركة قاسية وملتهبة فوق حرمة القبلة الأولى، وفي أرض موطن الأنبياء، مع ألدّ أعداء الإسلام وأكثرهم شراسة. وفي هذه المواجهة المباركة المرعبة لليهود، أدّت الجناح العسكري لحركة حماس، كتائب القسام، دورها؛ إذ لطخت آلاف اليهود في الدماء، ودمّرت مباني شاهقة، وسلبت العدو شعوره بالأمن في محيط الحرم المبارك للمسجد الأقصى. كما قدّمت آلاف المقاتلين إلى ساحات التضحية، وارتقى العشرات من قادتها إلى مرتبة الشهادة.
ومن بين هؤلاء القادة البارزين، أحد أبناء الأمة وقياداتها، القائد حذيفة الكحلوت (أبو عبيدة) كان أبو عبيد جبلًا شامخًا من جبال الإسلام، إذ أدّى الأمانة بلسانه البليغ كحسان بن ثابت رضي الله عنه، وقد قضى عمره كله في أداء فريضة الجهاد العظمى.
وحين كان يظهر على شاشة قناة الجزيرة يحمل معه رسائل مهمة؛ يوجّه التهديد إلى الجنود الإسرائيليين، ويُحدث الخوف والذعر في قلوب اليهود بحنجرته الملكوتية ولهذا السبب عُرف في العالم العربي بشخصية مؤثرة.
الاسم الحقيقي لأبي عبيدة هو حذيفة سمير عبد الله الكحلوت، وقد وُلد عام 1985 في قطاع غزة. وكغيره من أبناء غزة، عاش منذ طفولته في ظل العداء الإسرائيلي. وفي عام 2004 عُيّن ناطقًا باسم كتائب القسام، ومنذ ذلك الحين بدأ نشاطه الإعلامي ضد إسرائيل، حيث عُدّ الشخصية المحورية والركيزة الفكرية للإعلام التابع لكتائب القسام.
ظهر أبو عبيدة للمرة الأولى في وسائل الإعلام عندما أعلن خبر أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. وكان يطلّ دائمًا بالزيّ العسكري وكوفية حمراء، ويربط جبينه بقناع كُتبت عليه الكلمة الطيبة وتحتها عبارة كتائب القسام، بينما كانت الشارة الرسمية لكتائب القسام مثبتة في وسط الكوفية.
وفي السابع من أكتوبر عام 2023 أعلن أبو عبيدة انطلاق عملية «طوفان الأقصى»، ووجّه تحذيرات للجنود الإسرائيليين، ودعا العالم الإسلامي إلى اتخاذ موقف عملي لنصرة المسجد الأقصى. وفي نهاية المطاف، أعلنَت حركة حماس الإسلامية في التاسع والعشرين من ديسمبر استشهاد أبي عبيدة، وعيّنت متحدثًا آخر بدلًا منه.
ومن أقوال أبي عبيدة – تقبّله الله – التي لاقت شهرة واسعة في العالم الإسلامي:
1. سيظلّ مقاومتنا صامدة دفاعًا عن حقوق شعبنا، إلى أن ينتهي الاحتلال، ويُرفع الحصار، ويعود المهجّرون إلى بيوتهم.
2. ما عجز العدو عن تحقيقه في ميدان القتال، لن يحقّقه بالتهديد ولا بالخداع.
3. سيبقى العدو يواجه الجنائز والجثث، ما دام بطش الاحتلال والحرب الوحشي مستمرَّين
4. لقد أظهر مجاهدونا في طريق الحرية شجاعة نادرة وروحًا فدائية فريدة، وكانت نجاحات الكمائن في مواجهة العدو صورًا حيّة من صفحات التاريخ.
5. أحدثت معركة طوفان الأقصى توازنات جديدة في معادلات المنطقة، ووجّهت للعدو رسالة واضحة مفادها أن العدو لا يملك قدرة بقدرما يدّعيها.
6. إن دماء عشرات الآلاف من الأبرياء في أعناق قادة الأمة الإسلامية والعربية ونخبها وعلمائها، لأنهم تركوا هؤلاء الناس وحدهم في صمت.















































